مقدمة: نداء اليقظة في زمن الغفلة
يقول الله تبارك وتعالى في محكم التنزيل، واصفاً حال البشرية في صراعها مع الزمن والشهوات: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ * مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ * لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ} [الأنبياء: 1 – 3]. إنها كلمات تهز الوجدان، وتضع النقاط على الحروف في تشخيص الداء العضال الذي أصاب الأمة؛ داء الغفلة الذي جعل القلوب لاهية، والنفوس معرضة عن الحق، والعيون شاخصة نحو بريق الدنيا الزائل.
إننا نعيش في عصر تسارعت فيه الفتن، وتزاحمت فيه الملهيات، حتى أضحى الإنسان محاصراً بصنوف من المغريات التي تصرفه عن غايته الوجودية. وصدق الله العظيم إذ يقول: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ} [يوسف: 103]. فهذه القلة المؤمنة هي التي استطاعت أن تنجو من فخ الهوى وطول الأمل، بينما انغمس الكثيرون في بحار الدنيا التي لعبت بهم، فأنستهم المصير والمنقلب.
واقع الناس مع مواسم الخيرات
من أعظم المصائب أن تمتد يد الغفلة لتطال أقدس الأوقات وأشرف الشهور. ففي الوقت الذي يفتح فيه الله أبواب الجنان، ويغلق أبواب النيران، وينادي منادٍ: “يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر”، نجد فئات من الناس لا تزال تبحث عن المتعة الرخيصة واللهو العبثي.
يأتي رمضان حاملاً معه نسائم العتق، وعطور المغفرة، وفرصاً ذهبية لمضاعفة الأجور، لكن الشاشات والملهيات تقف بالمرصاد. فبدلاً من أن يكون رمضان محطة للتزود بالتقوى، يجعله البعض مضماراً لمتابعة المسلسلات، وإضاعة الساعات الطوال أمام التلفاز، في سعي حثيث لقتل الوقت، وكأن الوقت عدو يجب التخلص منه، وليس هو رأس مال المؤمن الذي لا يعوض.
شياطين الإنس: سرّاق الإيمان
من الحقائق التي يجب أن ننتبه إليها هي تلك المفارقة العجيبة في رمضان؛ فبينما تُصفَّد شياطين الجن بأمر الله رحمةً بالعباد، تنطلق شياطين الإنس من أصحاب القنوات وصناع المحتوى الهابط ليعيثوا في الأرض فساداً. هؤلاء الذين أعدوا العدة، وحشدوا الطاقات، ليس لتقديم ما ينفع الناس، بل لينقضوا على ما في أيديكم من إيمان.
كأن هؤلاء المفسدين قد استكثروا على المسلم أن يخرج من رمضان مغفوراً له، فصمموا برامجهم لتكون سارقاً للوقت، ومشتتاً للقلب، ومفسداً للصيام بنظرات خبيثة رخيصة. إنهم يسلبونك روحانية الشهر، ويحولون العبادة إلى عادة، والذكر إلى غفلة. لذا، وجب الحذر والفرار بقلبك من هذه المصائد التي نُصبت بدقة.
منهج السلف في تعظيم الزمان
إذا نظرنا في سير سلفنا الصالح، لوجدنا عجباً في كيفية تعاملهم مع رمضان. لم يكن رمضان عندهم شهراً عادياً، بل كان حالة استنفار إيمانية قصوى. كان منهجهم يقوم على قاعدة ذهبية: “ترك الفاضل لأجل الأفضل”.
1. التفرغ التام للقرآن: كان الإمام الزهري إذا دخل رمضان يقول: “إنما هو تلاوة القرآن وإطعام الطعام”.
2. هجر مجالس العلم: كان بعضهم يترك دروس الحديث والفقه -وهي من أعظم القربات- ليتفرغ لذكر الله وتلاوة كتابه، فإذا كان هذا حالهم مع العلم النافع، فكيف يكون حالنا مع الملهيات الضارة؟
3. جمع القلب على الله: كان هدفهم ألا يشغلهم عن الله شاغل، فصامت جوارحهم عن الحرام، وصامت قلوبهم عن الالتفات لغير الله.
إن هذا التعظيم للزمان هو الذي جعل منهم منارات للهدى، وهو الذي جعل لرمضانهم طعماً لا يعرفه إلا من ذاق حلاوة الانقطاع لله.
كيف تصنع برنامجك الرمضاني الناجح؟
إن اغتنام رمضان لا يأتي بالتمني، بل بالتخطيط والعمل الجاد. إليك خطوات عملية لبناء حصن إيماني يحميك من الضياع:
أولاً: تصفية الملهيات
ابدأ بحذف كل ما يشغلك عن الله. قلل من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، وأغلق التلفاز، واجعل هاتفك وسيلة للخير فقط. تذكر أن كل دقيقة تضيع في غير طاعة هي خسارة في ميزان الأخرة لا تُعوض.
ثانياً: فقه الأولويات
اجعل لنفسك نصيباً وافراً من:
- القرآن الكريم: لا تكتفِ بختمة واحدة، بل اجعل القرآن رفيقك في ليلك ونهارك، تدبراً وعملاً.
- الذكر والقيام: اجعل لك خبيئة من عمل صالح، وصلاة في جوف الليل والناس نيام، تناجي فيها ربك وتبثه شكواك.
- الصدقة وإطعام الطعام: فالمؤمن في ظل صدقته يوم القيامة، ورمضان شهر الجود.
ثالثاً: عمارة الأوقات البينية
استغل الأوقات التي يغفل عنها الناس؛ وقت السحر، ما بعد الفجر، الساعات التي تسبق الإفطار. هذه أوقات استجابة ونفحات إلهية، فلا تضيعها في النوم أو في إعداد أصناف الطعام المبالغ فيها.
نداء أخير قبل فوات الأوان
أيها المسلم، يا من تطمع في مغفرة الله: أفلا تفرِّغ نفسك من الدنيا قليلاً؟ أفلا تترك بعض المحرمات والشبهات التي تلهيك عن ربك لتنال العفو والعتق من النار؟
إن الأيام تمضي سراعاً، والشهور تطوي الأعوام، والموت يأتي بغتة. بادر بالعمل الصالح قبل أن تُحمل إلى قبرك وحيداً ذليلاً، حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم. رمضان هو فرصتك الكبرى لترميم ما تهدم من جدران إيمانك، ولتجديد العهد مع الله.
لا تُسلم رمضانك لشياطين الإنس، ولا تسمح لهم بسرقة أغلى ما تملك. اجعل شعارك في هذا الشهر: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}. فمن أقبل على الله بكليته، أقبل الله عليه برحمته، ومن ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه في الدنيا والآخرة.
اللهم أيقظ قلوبنا من غفلتها، وبارك لنا في رمضان، واجعلنا فيه من المقبولين، ومن عتقائك من النار. آمين.

اترك تعليقاً