مقدمة: ماهية الانعطاف القدسي
في ممرات التاريخ الروحي للإسلام، تبرز ظواهر إيمانية تتجاوز التغيير السلوكي السطحي لتصل إلى ما يمكن تسميته بـ “الانعطاف القدسي”. هذا المفهوم لا يعني مجرد الإقلاع عن ذنب، بل هو إعادة هيكلة كاملة للمبدأ الوجودي الذي يتحرك الإنسان من خلاله. إنها اللحظة التي تتقاطع فيها الإرادة الإنسانية الضعيفة مع النفحة الإلهية الرحيمة، فينتج عنها كائن جديد بقلب قديم. وتتجلى سيرة الإمام الفضيل بن عياض كنموذج رائد لفهم ميكانيكا هذا التحول، وكيف يمكن لـ “سيمياء الصدق” أن تحول لصاً يقطع الطريق إلى عابدٍ يُبكي الصالحين في محراب الحرم.
أولاً: ميكانيكا الغفلة وجدار الماهية
قبل الانعطاف، كان الفضيل بن عياض يمثل حالة من التيه الوجودي؛ لصاً يروع الآمنين، لكنه كان يحمل في أعماقه بقايا من “مروءة” فطرية، وهي التي يسميها علماء القلوب (بوارق الاستعداد). كان يقطع الطريق، لكن قلبه لم يكن مغلقاً بالكامل. إن حالة الغفلة التي كان يعيشها هي حجاب كثيف يحجب الماهية الحقيقية للإنسان كخليفة لله في أرضه. يقول الله تعالى في وصف هذا الحجاب: (كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ) [المطففين: 14].
إن “الران” في حالة الفضيل لم يكن طبعاً نهائياً، بل كان غباراً كثيفاً ينتظر هبوب رياح الهداية. وهنا تبرز القاعدة النبوية الشريفة التي رواها أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: “إنَّ اللهَ لا ينظرُ إلى صورِكم وأموالِكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبِكم وأعمالِكم” (صحيح مسلم). فكان نظر الله إلى قلب الفضيل هو مفتاح الانعطاف المرتقب.
ثانياً: سيمياء اللحظة الفارقة (صدمة الوحي)
تتحدث الروايات أن الفضيل كان يتسلق جداراً لملاحقة غرض دنيوي، فسمع تالياً يتلو قول الله عز وجل: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ) [الحديد: 16]. هذه الآية لم تكن مجرد صوت عابر، بل كانت “شيفرة قدسية” اخترقت سيمياء الوجود لديه.
لماذا أحدثت هذه الآية أثراً في الفضيل ولم تُحدثه في غيره؟ الإجابة تكمن في “الاستجابة الوجودية”. لقد أجاب الفضيل فوراً بقوله: “بلى يا رب، قد آن”. في هذه اللحظة، حدث الانعطاف القدسي؛ حيث توقف الزمن لديه، وانخلع من هويته كـ “لص” ليدخل في ماهية “العابد الخاشع”. إن هذا التحول يثبت أن كلمة الله إذا صادفت قلباً صادقاً، أعادت صياغة ذراته الروحية من جديد.
ثالثاً: أثر الصدق في إعادة صياغة الماهية
الصدق (Sincerity) في الرؤية الإسلامية ليس مجرد قول الحقيقة، بل هو تطابق الباطن مع الظاهر في التوجه إلى الله. بعد سماع الآية، لجأ الفضيل إلى خربة، فإذا فيها قافلة يقول بعضهم لبعض: “ارحلوا”، وقال آخرون: “بل انتظروا حتى يصبح الصباح فإن فضيلاً على الطريق يقطع علينا”.
هنا تجلت ميكانيكا التحول؛ لم يهرب الفضيل ولم يتوارَ، بل واجه حقيقته المرة بصدقٍ جارح. بكت عيناه وقال: “أنا أسعى في الليل في معاصي الله، وهؤلاء قوم من المسلمين يخافونني! وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع”. هذا الاعتراف هو “المحرك الذاتي” للتوبة. يقول النبي ﷺ: “الندم توبة” (حديث صحيح). والندم هو المحرقة التي تذيب الماهية القديمة الكدرة لتسمح بانبثاق ماهية نورانية جديدة.
رابعاً: معالم الماهية الجديدة (من قاطع طريق إلى إمام الحرمين)
لم يتوقف الفضيل عند لحظة البكاء، بل انتقل إلى “مرحلة التمكين الروحي”. رحل إلى مكة، وجاور البيت الحرام، وعكف على طلب العلم والعبادة حتى صار يُلقب بـ “عابد الحرمين”. إن إعادة صياغة الماهية لديه شملت ثلاثة أبعاد رئيسية:
- البعد الوجداني: تحول الخوف من السلطان أو الفشل إلى خوفٍ مهيب من الله، حتى قيل: “ما رأيت أحداً كان الله في صدره أعظم من الفضيل”.
- البعد المعرفي: اشتغل بالحديث والسنة، فأصبح حجةً يُرحل إليه، وهو القائل: “ترك العمل من أجل الناس رياء، والعمل من أجل الناس شرك، والإخلاص أن يعافيك الله منهما”.
- البعد السلوكي: تميز بالورع الشديد والزهد، فكان يرى الدنيا وسيلة لا غاية، مطبقاً قول الله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا ۚ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [القصص: 83].
خامساً: فلسفة التحول في ضوء المنهج الوسطي
إن قصة الفضيل بن عياض ليست مجرد دراما تاريخية، بل هي منهج عملي لكل مؤمن يرجو التغيير. إنها تؤكد أن باب التوبة ليس مجرد مخرج للطوارئ، بل هو بوابة للترقي الكمالي. التحول الوجودي يبدأ بـ:
- الانتباه: اليقظة من رقدة الغفلة (الاستماع للرسائل الإلهية).
- العزم: القصد الجازم لقطع علائق السوء.
- المجاهدة: إبدال العادات السيئة بمقامات إيمانية، كما قال تعالى: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ) [العنكبوت: 69].
إن الوسطية الروحية تتجلى في توازن الفضيل بين الخوف والرجاء؛ فلم ييأس من روح الله رغم ماضيه، ولم يأمن مكر الله بعد عبادته، بل ظل منكسراً على باب المولى حتى وافته المنية.
خاتمة: إشراقة الروح المستردة
في ختام هذه الدراسة في سيرة الفضيل بن عياض، ندرك أن “الانعطاف القدسي” متاح في كل زمان ومكان. إن الصدق مع الله هو الكيمياء الوحيدة التي تستطيع تحويل النحاس الوجودي إلى ذهبٍ إيماني خالص. لقد أعاد الفضيل صياغة تعريفه في سجلات الخالدين، ليس بذكائه أو قوته، بل بافتقاره وانكساره بين يدي خالقه.
فلنتأمل في ذواتنا: هل آن لنا أن تخشع قلوبنا؟ إن النداء الإلهي لا يزال يتردد في آفاق الكون، ينتظر صدىً صادقاً يعيد صياغة ماهيتنا لنكون حقاً عباداً للرحمن. (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ۖ إِنِّي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ مُّبِينٌ) [الذاريات: 50]. نسأل الله أن يرزقنا صدق الإنابة، وحسن الختام، وأن يجعلنا من الذين تبدلت سيئاتهم حسنات بفضل واسع رحمته.

اترك تعليقاً