مقدمة: نعمة البلاغ وواجب الشكر
أَمَّا بَعدُ، فَأُوصِيكُم أَيُّهَا المُسلِمُونَ وَنَفسِي بِتَقوَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فهي الزاد الأسمى والغاية الكبرى من تشريع العبادات، كما قال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبلِكُم لَعَلَّكُم تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
أَيُّهَا المُسلِمُونَ، إنَّ من أَجلِّ نِعَمِ اللهِ عَلَينَا -وَمَا أَكثَرَ نِعَمَهُ التي تَتْرَى- أَنْ أَحيانا حتى بَلغنا هذه الأيام المباركة، فأَصبَحنَا صَائِمِينَ، وَقُمْنَا لله قانتين. إننا اليوم نقف على أعتاب مَيدَانٍ مُمتَدٍّ لِلتَنَافَسُ، وَسُوقٍ رَابِحَةٍ لِلتجارة مع الله، مَوسِمُ خَيرٍ مُتَنَوِّعُ البِضَاعَةِ، يُقبِلُ فِيهِ المُوَفَّقُونَ عَلَى رَبٍّ كَرِيمٍ يَقبَلُ القَلِيلَ وَيَجزِي عَلَيهِ الكَثِيرَ. فمَن مِثلُنَا فِيمَا نَحنُ فِيهِ من الأمن والإيمان؟!
بينما يَمُوجُ أَكثَرُ العَالَمِ اليَومَ في ظلمات كُفرٍ وَضَلالٍ، وَيَتَقَلَّبُ في أودية فَسَادٍ وَانحِلالٍ، ويصبح ويمسي على مَصَائِبَ لا تنقضي، لا يدرون لِحياتهم غاية ولا لِوجودهم مآلاً؛ نَحنُ بفضل الله نَعلَمُ لِمَاذَا خُلِقنَا، وَلأَيِّ شَيءٍ عَلَى هَذِهِ الأَرضِ أُوجِدنَا. نَحنُ نَفقَهُ عظمة رَمَضَانُ وَنُدرك وَاجِبُنَا فِيهِ، مسترشدين بقوله تَبَارَكَ وَتَعَالى: {وَمَا خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعبُدُونِ} [الذاريات: 56].
فضائل الشهر الكريم: جوائز ربانية للمؤمنين
لقد جعل الله رمضان ركناً من أركان الدين، ومحطة لتطهير النفوس من الدرن. قَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «بُنيَ الإِسلامُ عَلَى خَمسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَالحَجِّ وَصَومِ رَمَضَانَ» (رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ).
وتأملوا معي يا عباد الله في عظم الجزاء؛ فعَن عَمرِو بنِ مُرَّةَ الجُهَنيِّ رَضِيَ اللهُ عَنهُ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلى النَّبيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَرَأَيتَ إِنْ شَهِدتُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللهِ، وَصَلَّيتُ الصَّلَوَاتِ الخَمسَ، وَأَدَّيتُ الزَّكَاةَ، وَصُمتُ رَمَضَانَ وَقُمتُهُ، فَمِمَّن أَنَا؟! قَالَ: «مِنَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ» (رَوَاهُ البَزَّارُ وَابنُ خُزَيمَةَ وَابنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ الأَلبَانيُّ). فهل بعد هذه المنزلة مطمع لراغب؟
إن أبواب المغفرة في هذا الشهر مشرعة لكل من أقبل بصدق، فقد قَالَ عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ: «مَن صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ، وَمَن قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ، وَمَن قَامَ لَيلَةَ القَدرِ إِيمَانًا وَاحتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِهِ» (مُتَّفَقٌ عَلَيهِ).
وليس هذا فحسب، بل إن للصائمين باباً خاصاً في الجنة إكراماً لهم، قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ في الجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ يَدخُلُ مِنهُ الصَّائِمُونَ يَومَ القِيَامَةِ لا يَدخُلُ مِنهُ أَحَدٌ غَيرُهُم، فَإِذَا دَخَلُوا أُغلِقَ فَلَم يَدخُلْ مِنهُ أَحَدٌ» (رَوَاهُ البُخَارِيُّ وَمُسلِمٌ).
التوفيق الإلهي: السر الحقيقي وراء الطاعات
إن هذه النصوص النبوية العظيمة هي مُشَجِّعَاتٌ عَلَى الطَّاعَةِ، وَمُحَفِّزَاتٌ عَلَى عَمَلِ الخَيرِ. وَلَكِنْ… يَبقَى قَبلَ ذَلِكَ وَبَعدَهُ شَيءٌ مُهِمٌّ بَل هُوَ الأَهَمُّ وَالأَعظَمُ، ذَلِكُم هُوَ التوفيق في رمضان وإعانة الله للعبد وتسديده.
إن الذين ترونهم يعمرون المساجد، ويطيلون السجود، ويذرفون الدموع، وينفقون الأموال في تفطير الصائمين؛ ليسوا بالضرورة أذكى الناس عقلاً، ولا أكثرهم علماً، ولا أوفرهم مالاً. بل هم قومٌ وفقهم الله فاستجابوا، وأعطاهم فبذلوا. لقد ذاقوا حلاوة الإيمان فاستقاموا، وعلموا أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.
وفي المقابل، كم من إنسان أوتي ذكاءً وقوةً ومالاً، لكنه حُرم التوفيق! فلا يرى في الصيام إلا جوعاً وعطشاً، ينام عن المكتوبات، ويهجر المصحف، ويشح بماله. هؤلاء أعرضوا فأعرض الله عنهم، وتثاقلوا عن الطاعة فثبطهم الله، وقيل اقعدوا مع القاعدين.
كيف تنال توفيق الله في هذا الشهر؟
إن المعول عليه في نيل القربات هو البداية الجادة والإقبال الصادق. إليكم بعض المفاتيح لنيل التوفيق:
1. العزيمة الصادقة: أن تأخذ نفسك بالجد منذ اللحظة الأولى، وألا تلتفت للخلف.
2. التوكل والدعاء: أن تلهج دائماً بسؤال الله الهداية، متمثلاً قول شعيب عليه السلام: {وَمَا تَوفِيقِي إِلاَّ بِاللهِ عَلَيهِ تَوَكَّلتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ} [هود: 88].
3. مجاهدة النفس: سلع الله غالية، ولا ينالها متكاسل أو متباطئ، بل من جاهد وصبر وصابر.
4. الحذر من خطوات الشيطان: فالله هو الذي يزكي النفوس، قال تعالى: {وَلَولا فَضلُ اللهِ عَلَيكُم وَرَحمَتُهُ مَا زَكَى مِنكُم مِن أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللهُ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ} [النور: 21].
إن الله إذا أحب عبداً زين الإيمان في قلبه وكرّه إليه الكفر والفسوق والعصيان، كما قال سبحانه: {وَلَكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ في قُلُوبِكُم وَكَرَّهَ إِلَيكُمُ الكُفرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [الحجرات: 7].
التحذير من الخذلان والكسل
أَيُّهَا المُسلِمُونَ، يقول نبيكم الكريم محفزاً لكم: «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيلَةٍ مِن شَهرِ رَمَضَانَ صَفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَت أَبوَابُ النَّارِ فَلَم يُفتَحْ مِنهَا بَابٌ، وَفُتِّحَت أَبوَابُ الجَنَّةِ فَلَم يُغلَقْ مِنهَا بَابٌ، وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيرِ أَقبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقصِرْ، وَللهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ وَذَلِكَ كُلَّ لَيلَةٍ» (رَوَاهُ التِّرمِذِيُّ وَابنُ مَاجَه).
تأملوا هذا الفضل! الشياطين مصفدة، وأبواب الجنة مفتحة، ومنادي الخير ينادي في كل لحظة. فإذا لم تنبعث النفس في هذا الجو الإيماني، فمتى تنبعث؟! نعوذ بالله من الخذلان، ومن أن يكلنا الله إلى أنفسنا طرفة عين.
إن الشهر أيام معدودات، تمر مر السحاب، فاحذروا التسويف والمماطلة. الدنيا لن تتوقف لأجل متكاسل، والسماء والأرض لن تبكي على مفرط، بل ستمضي قوافل العابدين الحامدين، وسيستمر السباق، ويخلف الله من قصر بقوم يحبهم ويحبونه، {ذَلِكَ فَضلُ اللهِ يُؤتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ} [المائدة: 54].
الخاتمة: دعوة للإنابة والاستغفار
فاتقوا الله عباد الله، وتبرؤوا من حولكم وقوتكم، والجأوا إلى حول الله وقوته. استغفروه وتوبوا إليه، واعلموا أن من اتقى الله كفاه، ومن توكل عليه هداه. {وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجعَلْ لَهُ مَخرَجًا * وَيَرزُقْهُ مِن حَيثُ لا يَحتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسبُهُ إِنَّ اللهُ بَالِغُ أَمرِهِ قَد جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيءٍ قَدرًا} [الطلاق: 2، 3].
اللهم وفقنا في رمضان لما تحب وترضى، وأعنا فيه على الصيام والقيام وصالح الأعمال، واجعلنا فيه من المقبولين ومن عتقائك من النار.

اترك تعليقاً