آفة العلم الجدل.. كيف تنجو من فخ “المتفقهين لغير العبادة”؟

# آفة العلم الجدل.. كيف تنجو من فخ “المتفقهين لغير العبادة”؟

مقدمة: توفيق الله وبصيرة العبد

إن من أجلّ نعم الله سبحانه وتعالى على عبده، ومن أمارات توفيقه للعبد في هذه الحياة الدنيا، أن يبصره بمواقع مرضاته، وأن يفتح له آفاق الفهم عما يحبه الله ويرضاه. فليس الشأن أن يعلم العبد فحسب، بل الشأن كل الشأن في أن يوفق العبد للعمل بما علم، وأن يكون علمه سُلماً يرتقي به في درجات العبودية.

إن إحسان الله ومنّه على العبد يتجلى في إعانته على إقامة “عبودية الوقت”؛ تلك العبودية التي تقتضي من المؤمن أن ينظر في مراد الله منه في كل لحظة وحين، وفي كل موسم من مواسم الفضل. فالعلم بمراضي الله سبحانه هو هداية أولى، والعمل بهذا الذي بُصّر به العبد هو هداية أخرى متممة ومكملة، وبدونها يصبح العلم وبالاً على صاحبه، وحجةً تقيد رقبته يوم العرض على الله.

العلم هداية والعمل هداية أخرى

يجب أن ندرك يقيناً أن الغاية من إنزال الكتب وإرسال الرسل لم تكن مجرد حشو الأذهان بالمعلومات، أو تكثير سواد المسائل النظرية في العقول، بل كانت الغاية هي التعبد لله رب العالمين. فالقرآن الكريم، الذي هو أعظم ما يُعطى العبد من النور والهدى، هو في حقيقته حجة لك أو عليك.

هذا المعنى ليس مقصوراً على القرآن وحده، بل هو متحقق في كل صنف من صنوف العلم الشرعي وزيادة. فالعلم الذي لا يغير في السلوك، ولا يهذب الأخلاق، ولا يدفع الجوارح نحو الطاعة، هو علم مدخول في نية صاحبه أو في بركته. إن العلم الحقيقي هو الذي يورث الخشية، كما قال سبحانه: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ}، فإذا انتفت الخشية وحل محلها حب الظهور والمماراة، فقد ضل العلم طريقه.

فتنة الجدل في مواسم الطاعات

مما يؤسف له في واقعنا المعاصر، أننا نرى العلم يتحول في كثير من الأحيان من وسيلة للتقرب إلى الله إلى أداة للجدل والخصومة. يتكرر هذا المشهد بوضوح في مواسم بعينها، أو أحداث شرعية يكثر فيها الكلام. إن العلم الذي يُبذل من أجل الجدل والخصومة المتكررة لا يخلو في كثير من أحواله من حظوظ النفس، مثل حب الانتصار للرأي، أو الرغبة في الانتشار الشخصي، أو محاولة إعلاء فئة على غيرها.

إن الكثير من هذه الخصومات تندرج تحت بند ما يضر ولا ينفع، حيث يغيب عنها الإخلاص وتغلب عليها الرغبة في إفحام المخالف. وها نحن اليوم مقبلون على ليلة النصف من شعبان، وهي محطة إيمانية هامة، ولكنها لا تخلو من ضجيج الجدال.

ليلة النصف من شعبان: بين العمل والجدل

لا يخفى على المتابع المنصف ما قيل في تخصيص ليلة النصف من شعبان وما ورد فيها من الفضل، كما لا يخفى أن بعض الناس يدفعون ذلك ولا يسلّمون بتلك الخصوصية وذلك الفضل. وفي خضم هذا التباين، تنبري الأقلام، وتشتعل منصات التواصل الاجتماعي، ليس بدافع البحث عن الحق في الغالب، بل بدافع ما ذكرناه آنفاً من حب المماراة.

وهنا يبقى السؤال الجوهري الذي يغيب عن الكثيرين: ما الذي يريده الله منك في هذا المقام؟

هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يسأل كلٌ منا نفسه بصدق وتجرد. فالمسألة ليست في من يغلب في النقاش، بل في من يربح رضا الله:

1. من رأى الفضل (اجتهاداً أو تقليداً): إذا كنت ترى ثبوت فضل هذه الليلة، فالمطلوب منك هو العمل في نفسك أولاً، ثم حض الناس على الخير والعبادة والتهيئة النفسية لرمضان، بعيداً عن التشنيع على المخالف.
2. من لم يرَ الفضل (اجتهاداً أو تقليداً): إذا كنت لا ترى خصوصية لهذه الليلة، فالمطلوب منك ألا تضيع وقتك في الخصومة، بل اعمل بما يصلح قلبك، وتهيأ لدخول الشهر الكريم، وحض الناس على الاستعداد لرمضان، وابقَ على جادة العبادة العامة التي لا ينكرها أحد.

فقه الخلاف بين العلم والعدل

إن النقاش العلمي بين الخاصة، القائم على قواعد العلم والعدل، هو أمر مطلوب في كل وقت وحين؛ وذلك لإظهار حقٍ أو دحض باطل. ولكن هذا النقاش له أهله وله أدبه وله وقته. أما أن يتحول الأمر إلى معارك كلامية بين العوام أو في الفضاءات العامة مما يورث الشقاق والتباغض، فهذا هو الجدل المذموم الذي حذر منه الشرع.

فالعمل -بكل صوره من عمل القلب واللسان والجوارح- هو الغاية القصوى من العلم. فما فائدة أن تحفظ أدلة المسألة وأقوال العلماء فيها وقلبك خالٍ من تعظيم الله، أو لسانك لا يفتر عن الوقيعة في أعراض المخالفين؟

المساءلة الكبرى: ماذا عملت فيما علمت؟

لقد وضع لنا الصادق المصدوق ﷺ ميزاناً دقيقاً للمحاسبة يوم القيامة، حيث لن ينجو أحد من السؤال عن علمه. قال ﷺ: «لا تزول قدم عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن أربع»، وذكر منها: «وعن علمه ماذا عمل فيه».

تأمل في هذا السؤال جيداً: “ماذا عمل فيه؟” ولم يقل: “كم جمعت منه؟” أو “كم خصماً أفحمت به؟”. إن هذا السؤال يزلزل القلوب الحية، فالعلم أمانة، وأداء الأمانة يكون بالعمل والامتثال. فمن تعلم العلم لأجل المباهاة والجدل والمناظرة، فقد سلك طريقاً محفوفاً بالمخاطر، وحاله كما وصف النبي ﷺ في قوله: «من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو يماري به السفهاء، أو يصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله جهنم».

الحكمة الأوزاعية ومصير المتفقهين لغير العبادة

من هنا نفهم بعمق فقه قول الإمام الأوزاعي رحمه الله حين قال: “أُنبئتُ أنه كان يقال: ويلٌ للمتفقهين لغير العبادة”.

يا لها من جملة تقرع القلوب! “ويلٌ للمتفقهين لغير العبادة”. إنها تشير إلى أولئك الذين اتخذوا الدين بضاعة، والعلم وسيلة للتصدر، والفقه أداة للمنازعة. فالعلم الذي لا يورث إلا الجدل والخصومات هو علم مغبون صاحبه، وهو وبال عليه في الدنيا والآخرة.

إن كل أقوال السلف الصالح في هذا الباب كأنها ترجمة حية وتحذير شديد مستقى من قول النبي ﷺ: «ما ضَلَّ قومٌ بعد هُدى كانوا عليه إلَا أوتوا الجدل»، ثمَّ تلا رسولُ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ عليهِ وسلَّمَ هذهِ الآيةَ: {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ}.

كيف نعيد للعلم بركته؟

لكي نخرج من دائرة الجدل العقيم إلى رحاب العمل المثمر، علينا اتباع الخطوات التالية:

  • تجديد النية: أن يكون طلب العلم خالصاً لوجه الله، لا لطلب شهرة ولا لانتصار رأي.
  • التركيز على التزكية: أن يصاحب طلب العلم برنامج عملي لتزكية النفس وإصلاح القلب.
  • أدب الخلاف: إدراك أن المسائل الاجتهادية لا ينبغي أن تكون سبباً في قطيعة أو شقاق.
  • عبودية الوقت: الانشغال بما يفيد في اللحظة الراهنة، فإذا كان وقت صلاة فبالصلاة، وإذا كان وقت ذكر فبالذكر، وإذا كان وقت تعليم فبالتعليم النافع.

خاتمة: العلم الذي يورث الخشية

إن العلم النافع هو الذي إذا زاد في علمك، زاد في خوفك من الله، وزاد في تواضعك لخلق الله، وزاد في حرصك على ما ينفعك في آخرتك. أما العلم الذي لا يثمر إلا القسوة، والمراء، والتعالي على الناس، فهو حجاب بينك وبين الله.

فلنحذر أن نكون من “المتفقهين لغير العبادة”، ولنجعل من مواسم الطاعات فرصة لتجديد العهد مع الله على العمل والامتثال، لا على الخصومة والجدال. نسأل الله أن يبصرنا بمراشده، وأن يرزقنا علماً نافعاً، وعملاً صالحاً متقبلاً، وأن يعيذنا من علم لا ينفع ومن قلب لا يخشع.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *