"أبو الظهور" في مرآة السياسة: هل انكسر التناغم بين واشنطن وتل أبيب في سوريا؟
تتجاوز الانفجارات التي هزت أركان مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب حدود الفعل العسكري الميداني، لترسم في سماء المنطقة ملامح افتراق إستراتيجي بدأ يتبلور بوضوح بين الحليفين اللدودين: واشنطن وتل أبيب. إن قصف مطار أبو الظهور يضعنا أمام تساؤل جوهري حول ماهية "سوريا الجديدة" في مخيلة القوى الكبرى، وهل باتت المصالح الأمريكية تتسع لشركاء جدد على حساب الهواجس الإسرائيلية التقليدية؟
تصدعات في جدار التحالف القديم
كشفت الضربة الأخيرة عن تباين حاد في الرؤى؛ فبينما تندفع إسرائيل لتقويض أي واقع عسكري جديد تراه خطراً داهماً، ولا سيما الوجود التركي المتنامي، تميل الولايات المتحدة إلى سياسة "تثبيت الاستقرار". هذا التوجه الأمريكي يهدف إلى منع تحول التنافس بين الحلفاء إلى مواجهة مفتوحة قد تحرق الأخضر واليابس.
وقد جاءت تصريحات المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توم براك، كاشفة لهذا الشرخ، حيث وصف التحرك الإسرائيلي بأنه "تصعيد غير ضروري". إن واشنطن اليوم تسعى جاهدة لإنشاء آلية تمنع الصدام الثلاثي بين إسرائيل وتركيا وسوريا، مما يعكس رغبة في إدارة الاختلالات لا في تأجيجها.
المصلحة الأمريكية.. من الثنائية الضيقة إلى الشبكة الواسعة
يرى الباحثون في الشأن الإستراتيجي، ومنهم ساشا العلو من مركز عمران للدراسات، أننا نشهد تحولاً جذرياً في تعريف المصلحة الأمريكية. فلم تعد واشنطن تحصر ملفات الشرق الأوسط في ثنائية (أمن إسرائيل واحتواء إيران)، بل انتقلت إلى مفهوم "الشبكة الواسعة" التي تضم أطرافاً متعددة المصالح.
أبرز تجليات التباين في الملفات السورية:
- رفع العقوبات: راهنت واشنطن على رفعها كأداة للاستقرار واستجابة لمصالح حلفائها، بينما أرادتها إسرائيل ورقة ضغط مستمرة.
- الوجود الروسي: تحفظت واشنطن على دور موسكو المؤثر، في حين رأت إسرائيل في بقاء الروس المحدود موازناً لنفوذ أنقرة.
- الاتفاق الأمني: تسعى إسرائيل لتثبيت وقائعها العسكرية، بينما تراه واشنطن إطاراً لخفض التصعيد، وهو ما تجلى في مطالبة ترامب لنتنياهو بإعادة انتشار القوات خارج سوريا.
تركيا.. حجر الزاوية الذي يخشاه الإسرائيليون
يبرز الدور التركي كأكثر الملفات حساسية في هذا التباين. فبالنسبة لواشنطن، تركيا حليف أطلسي أساسي لا يمكن إهماله، أما بالنسبة لتل أبيب، فهي تحدٍ إسترايتجي أفسد عليها تصوراتها لسوريا ما بعد الأسد.
ويوضح الكاتب محمود علوش أن تنامي العلاقات السورية التركية، خاصة في الشق العسكري، استفز الجانب الإسرائيلي ليدفع نحو التصعيد. وفي هذا السياق، يرى الباحث عبد الوهاب عاصي أن إسرائيل بدأت بتوسيع "خطوطها الحمراء" لتشمل شمال سوريا، في محاولة لفرض محددات تفاوضية جديدة قبل أي استئناف للمفاوضات الأمنية مع دمشق.
اختبار الميدان في إدلب
جاء قصف مطار أبو الظهور كاختبار عملي؛ إسرائيل تعاملت مع احتمال الوجود التركي هناك كتهديد يستوجب التدخل الاستباقي، بينما حذرت واشنطن -عبر قنواتها الدبلوماسية والإعلامية- من أن هذا السلوك ينذر بمواجهة عسكرية مباشرة بين إسرائيل وتركيا، وهو سيناريو تخشاه واشنطن التي تحاول موازنة القوى بين حلفائها.
خاتمة: صراع القواعد والبيئة الأمنية
إن الصراع اليوم ليس على حطام مطار أو مدرج طيران، بل هو صراع على من يحدد "قواعد الاشتباك" في البيئة الأمنية الجديدة لسوريا. إسرائيل تريد فرض واقع ميداني بالقوة يتحول إلى قاعدة أمنية دائمة، بينما تحاول واشنطن نسج توازن دقيق يحفظ أمن إسرائيل دون التضحية باستقرار المنطقة أو مصالح حلفاء بحجم تركيا. إن الغبار الذي أثاره قصف مطار أبو الظهور قد يهدأ، لكنه كشف عن حقيقة أن المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وإن التقت في الجوهر، قد بدأت تفترق في المسارات والأدوات.



اترك تعليقاً