هل باتت القارة الأوروبية على مسافة صرخة واحدة من لهيب حربٍ لا تبقي ولا تذر؟ حين أصدرت وزارة الدفاع الروسية بيانها الأخير، لم يكن الأمر مجرد حبرٍ على ورق دبلوماسي، بل كان التحذير الروسي الأكثر صراحة وخطورة، واضعاً عواصم القرار في مواجهة مباشرة مع تبعات دعمها العسكري لكييف.
عواصم في مهب الريح: جغرافيا التصعيد الجديد
تتحدث التقارير الاستخباراتية التي استند إليها الكاتب العسكري سيرغي كولدين عن تحول جوهري في طبيعة الدعم الغربي. لم يعد الأمر مقتصرًا على العتاد التقليدي، بل انتقل إلى استراتيجية "العمق الروسي" عبر سلاح المسيرات الهجومية. هذا التحول دفع موسكو للكشف عن قائمة بيانات دقيقة، محذرةً من أن تحويل الدول الأوروبية إلى "منطقة خلفية استراتيجية" لأوكرانيا سيجعلها في مرمى النيران.
خريطة المصانع والشركات المستهدفة
أماطت وزارة الدفاع الروسية اللثام عن شبكة من المنشآت التي تساهم في تسليح أوكرانيا، وتوزعت هذه الأهداف المحتملة في الدول التالية:
- بريطانيا وألمانيا: كبرى مراكز التمويل والتصنيع للمكونات التقنية.
- إسرائيل وتركيا: دول شملها البيان بوضوح كأطراف فاعلة في تزويد كييف بالمسيرات.
- هولندا، الدنمارك، وإسبانيا: تحتضن شركات "مشتركة" تدعي الاستقلالية وهي في صلب المجهود الحربي.
- بولندا والتشيك ودول البلطيق: تمثل العمق الجغرافي واللوجستي لإنتاج المسيرات بعيدة المدى.
حين تصبح العناوين المدنية أهدافاً عسكرية
يشير كولدين بوضوح إلى أن روسيا تعمدت نشر عناوين المصانع بدقة متناهية. هذه الخطوة تحمل رسالة مزدوجة؛ الأولى للقيادات السياسية بأن تحركاتهم مرصودة تحت المجهر الاستخباراتي، والثانية للرأي العام الأوروبي بأن السكن بالقرب من هذه المنشآت بات خطراً مميتاً.
إن اعتماد أوكرانيا الكلي على الخارج في إنتاج طائراتها المسيرة، كما أقر بذلك كيريل بودانوف، يجعل من تلك المصانع شريكاً أصيلاً في الهجمات التي تطال المدن الروسية. ومن هنا، ترى موسكو أن مبدأ المعاملة بالمثل يمنحها الحق في نقل مشاعر القلق والانفجارات إلى قلب العواصم التي تظن أنها بمنأى عن الحرب.
سلاح "اللا علاج": الصواريخ فرط الصوتية
يختم المحللون العسكريون قراءتهم لهذا التحذير بالإشارة إلى القوة الرادعة التي تمتلكها موسكو، والتي تتمثل في:
- السرعة الفائقة: صواريخ لا تملك منظومات الدفاع الجوي التابعة للناتو أي قدرة على اعتراضها.
- الضربات الجراحية: القدرة على تدمير المنشآت المذكورة في قلب أوروبا بضربة واحدة.
- العواقب غير المتوقعة: مصطلح استخدمته الدفاع الروسية للإشارة إلى أن الرد لن يلتزم بقواعد الاشتباك التقليدية.
إن الحكمة تقتضي أن تدرك الشعوب قبل الحكومات أن اللعب بالنار في ساحات الآخرين قد ينتهي بحرائق لا تنطفئ في الديار. لقد وضعت روسيا إحداثياتها على الطاولة، ولم يتبقَّ أمام العقل الأوروبي إلا مراجعة حساباته قبل أن تصل الصواريخ التي لا تملك راداراتهم لها ترياقاً.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً