أحلام الظلام: حين تصبح العتمة الكوبية مرآة للصمود الإنساني
في أكتوبر 2024، غادرت كوبا خارطة الضوء العالمية لخمسة أيام كاملة. انهارت شبكة الكهرباء الوطنية، تاركةً 11 مليون إنسان في مواجهة مباشرة مع ظلام دامس طال كل شيء: التبريد، الاتصالات، والسكينة. وبينما انشغلت وكالات الأنباء بتحليل الفشل الاقتصادي، كان هناك ثلاثة شباب إيطاليين يوثقون شيئاً أعمق بكثير؛ وثقوا كيف يحلم البشر عندما تنطفئ الأنوار.
نتج عن هذه التجربة فيلم "أحلام الظلام" (Blackout Dreams)، وهو وثائقي مدته عشرون دقيقة فقط، لكنه يختزل مأساة وصمود شعب بأكمله. عُرض الفيلم في مهرجان أمستردام الدولي للأفلام الوثائقية (IDFA)، ليقدم رؤية بصرية مغايرة لما تنقله تقارير الأخبار الجافة.
سينما ولدت من رحم المصادفة
لم يكن المخرجون الثلاثة (غابرييلي ليكيلي، فرانشيسكو لوروسو، وأندريا سيتيمبريني) يخططون لتصوير كارثة وطنية. وصلوا إلى كوبا للمشاركة في ورشة عمل سينمائية، لكن القدر منحهم "أكبر انقطاع للكهرباء في تاريخ كوبا الحديث" كمادة خام لفيلمهم.
واجه الفريق تحديات لوجستية هائلة، منها:
- شحن البطاريات: الاعتماد على مولدات المدارس المحدودة.
- المونتاج: العمل في سباق مع الزمن خلال الساعات القليلة التي يعود فيها التيار.
- الإضاءة: اتخاذ قرار فني جريء بالتصوير الليلي فقط لالتقاط تشكلات الضوء والظلال.
فلسفة الأبيض والأسود: هروب من الواقع أم غوص فيه؟
جاء اختيار التصوير بالأبيض والأسود كحل تقني وجمالي في آن واحد. هذا الخيار أذاب الحدود بين الحقيقة والحلم، وجعل المشاهد تبدو وكأنها خارج الزمان؛ فلا تعرف إن كانت تعود للخمسينيات أو تستشرف مستقبلاً غامضاً في 2026.
الفيلم لا يطرح أرقاماً عن التضخم أو سوء الإدارة، بل يركز على تفاصيل إنسانية مدهشة:
- كاهن يقرأ الإنجيل على ضوء الشموع، باحثاً عن النور الروحي وسط العتمة المادية.
- مغنٍ مسن كفيف يعزف لزوجته؛ فهو لا يحتاج للكهرباء ليرى بقلبه أوتار غيتاره.
- أطفال يلعبون في الشوارع، محولين الظلام إلى ساحة للمغامرة بضوء المصابيح اليدوية.
- مباراة شطرنج هادئة تحت وهج فانوس ضعيف، تعكس صبر الشعب الكوبي.
ما وراء السياسة: كسر السردية الاستعمارية
ينتمي مخرجو "أحلام الظلام" إلى جنوب إيطاليا (كالابريا)، وهي منطقة تعرف جيداً معنى التهميش الاقتصادي. ربما لهذا السبب، جاء الفيلم خالياً من نظرة الاستعلاء الغربية. لم يصور الكوبيين كضحايا عاجزين، ولم يقدم دعاية سياسية لأي طرف.
بدلاً من ذلك، منح الفيلم الكوبيين "الحق في الرواية" كما وصفه إدوارد سعيد. ترك الأصوات الطبيعية تطغى على المشهد؛ حفيف النخيل، أصوات الضفادع، ونبض الآلات الموسيقية، مما خلق تجربة سمعية تعوض غياب الضوء.
الصمود الكوبي: دروس من العتمة
بينما يرى الغرب في انقطاع الكهرباء لساعات حالة طوارئ قومية، يظهر الفيلم كيف تأقلم الكوبيون مع واقعهم بكرامة. هذا الصمود ليس وليد اللحظة، بل هو نتاج عقود من الحصار والأزمات المتلاحقة التي علمتهم كيف تستمر الحياة بأقل الإمكانيات.
خاتمة:
ينتهي فيلم "أحلام الظلام" كما بدأ.. في سواد تام. لكنه يترك المشاهد مع تساؤل عميق: هل نحتاج فعلاً للكهرباء لنرى إنسانيتنا؟ كوبا، التي تعيش اليوم في مطلع 2026 أزمات متجددة، تظل بطلة لقصة لم تروها نشرات الأخبار، بل رواها هؤلاء الشباب في عشرين دقيقة من السحر السينمائي.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً