أدوية السرطان في لبنان: حين يغدو الشفاء رهيناً لظلال الشك وفوضى الدواء

أدوية السرطان في لبنان: حين يغدو الشفاء رهيناً لظلال الشك وفوضى الدواء

أدوية السرطان في لبنان: حين يغدو الشفاء رهيناً لظلال الشك وفوضى الدواء

في أروقة المشافي اللبنانية، حيث يصارع المرضى للبقاء، برزت قصة السيدة "مائدة سخنيني" كصرخة مدوية في فضاء الصمت، مجسدةً مأساة البحث عن الأمان في زمن "فوضى الدواء". مائدة، تلك الأربعينية التي تقارع السرطان، وجدت نفسها أمام عدوٍ خفيّ بعد جرعتها الكيميائية الثانية؛ انتفاخٌ في الوجه، احمرارٌ قانٍ، واضطرابٌ في الرؤية، أعراضٌ زلزلت طمأنينتها ودفعت بها إلى غرف الطوارئ مراراً، تاركةً سؤالاً جوهرياً يتردد في الآفاق: هل العيب في جسدها المنهك، أم في "أدوية السرطان في لبنان" التي باتت تحيط بها الشبهات؟

وجعٌ فوق الوجع: حين يرتدي الدواء ثوب القلق

لم تكن معاناة مائدة التي استمرت نحو 12 يوماً بعد الجلسة مجرد عارض مرضي عابر، بل كانت تجسيداً لحالة الشك التي تنهش صدور المرضى. إن تداول معلومات عن وجود عقاقير لا تستوفي المعايير المطلوبة يضيف عبئاً نفسياً ثقيلاً يوازي ثقل المرض ذاته. فالأصل في الدواء أن يكون "ترياقاً" يرمم ما أفسده المرض، لا أن يتحول إلى "مجهول" يثير الريبة.

لقد أثار الجدل المحيط بـ 6 أنواع من أدوية السرطان المتداولة في السوق اللبنانية عاصفة من التساؤلات حول:

  • الجودة والفعالية: هل تحتوي هذه العقاقير على المادة الفعالة بالنسب الصحيحة؟
  • مصادر التصنيع: ما هي المصانع التي خرجت منها هذه الأدوية؟
  • سلاسل التوريد: كيف وصلت هذه الأدوية إلى يد المريض؟

هذه التساؤلات دفعت وزارة الصحة اللبنانية إلى إحالة الملف برمته إلى النيابة العامة التمييزية، في خطوة تهدف إلى قطع دابر الشك باليقين القضائي.

المسارات الرسمية مقابل "تجار الشنطة"

يضعنا الدكتور عبد الرحمن البزري، عضو لجنة الصحة البرلمانية، أمام حقيقة تقنية لا تقبل التأويل؛ فالدولة اللبنانية تلتزم ببروتوكولات علاجية صارمة تم إعدادها بالتنسيق مع أخصائيي الأورام. ومع ذلك، يكمن الخطر في المسارات الموازية. ولتبسيط المشهد، يمكننا تقسيم الدواء في لبنان إلى صنفين:

  1. الدواء الرسمي: هو العقار الذي يعبر القنوات الشرعية، ويخضع لرقابة مخبرية وتدقيق في المنشأ، وهو ما وصفه البزري بالدواء الموثوق.
  2. الدواء المهرب: هو ذلك الذي يتسلل عبر الحدود بعيداً عن أعين الرقابة، وغالباً ما يتم تداوله عبر من يُعرفون بـ "تجار الشنطة".

إن الفارق بينهما ليس في السعر فحسب، بل في "سلسلة التبريد" (Cold Chain)؛ وهي الرحلة الحرارية التي يجب أن يحافظ فيها الدواء على برودة محددة جداً. فالدواء المهرب يشبه نباتاً نادراً انتُزع من بيئته، قد يذبل ويفقد روحه (فعاليته) قبل أن يصل إلى المريض نتيجة سوء النقل والتخزين.

معايير الجودة: ما وراء بلد المنشأ

تؤكد الصيدلانية كارول ديب، أمينة صندوق التقاعد في نقابة الصيادلة، أن الحكم على الدواء لا ينبغي أن يرتكز على جنسية المصنع، سواء كان في الهند أو إيران أو غيرهما. المعيار الحقيقي يكمن في:

  • التسجيل والاعتماد: هل الدواء مسجل رسمياً في وزارة الصحة؟
  • ظروف النقل: هل تم الالتزام بالمعايير التقنية أثناء الشحن؟
  • الرقابة الدورية: هل يخضع الدواء لفحوصات عشوائية للتأكد من ثبات فعاليته؟

وتحذر ديب من أن أدوية السرطان تمتاز بخصوصية خطيرة؛ فضعف فعاليتها قد لا يظهر فوراً، بل يتسلل عبر شهور العلاج الطويلة، مما يضيع على المريض فرص الشفاء الثمينة.

كيف يحمي مريض السرطان نفسه؟

في ظل هذه الضبابية، قدمت وزارة الصحة والخبراء حلولاً عملية لضمان سلامة أدوية السرطان في لبنان:

  • المسح الرقمي: استخدام التطبيق الإلكتروني لوزارة الصحة لمسح الرمز (Barcode) الموجود على العبوة للتأكد من شرعية دخولها.
  • تجنب المصادر غير المرخصة: الامتناع التام عن شراء الأدوية من أفراد أو منصات غير صيدلانية.
  • التمسك بالبروتوكول: في حال استبدال دواء ببديل (Generic)، يجب مطالبة الطبيب أو الصيدلي بشرح وافٍ حول تركيبته ومصدره.

خاتمة: الصحة ميثاق غليظ

إن الحق في الدواء الآمن ليس ترفاً، بل هو ركن ركين من أركان الكرامة الإنسانية. إن ما يمر به لبنان من أزمات لا يبرر بأي حال تحويل أجساد المرضى إلى ساحة للتجارب أو مسرحاً لتربح الفاسدين. سيبقى اليقين هو المطلب الأول، وستظل الرقابة الصارمة هي الحارس الأمين الذي يحمي شعلة الأمل في قلوب من يواجهون السرطان بكل شجاعة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *