# أذكار الصباح والمساء.. الدرع الرباني والحصن المنيع من كل سوء
أيها المؤمنون الموحّدون، يا من ترجون من الله حفظاً ومعية، إن في تقلب الليل والنهار آيات، وفي ذكر الله حياة للقلوب وطمأنينة للأرواح. إننا نعيش في عالم مليء بالفتن، محفوف بالمخاطر التي قد لا تراها الأعين، من كيد شياطين الإنس والجن، ولا نجاة لنا إلا بالالتجاء إلى الركن الشديد، والتحصن بحصن الله الحصين الذي لا يُرام.
قصة واقعية: يقين امرأة يهزم كيد السحرة
يروى في قصص الواقع التي تجسد عظمة التعلق بالله، أن رجلاً تقدم لخطبة امرأة عُرفت برجاحة العقل، وجمال الروح، وقوة التدين. استخارت المرأة ربها، فلم تجد في صدرها قبولاً لهذا الرجل، فاعتذرت إليه بكل أدب. لكن الرجل، الذي غلبه الهوى، لم يتقبل الرفض، وكرر طلبه مراراً، وفي كل مرة كان الرد هو الاعتذار.
هنا، تحول الحرص إلى حقد، والعشق إلى رغبة في الانتقام، فقال لمن حوله بصلف وكبر: “والله لأتزوجنها ولو على سبيل النكاية والعناد”. ذهب هذا الرجل إلى ساحر شهير، رجل باع دينه بعرض من الدنيا زائل، ودفع له مبلغاً باهظاً من المال ليقوم بعمل سحر يستميل قلبها إليه قسراً. طمأنه الساحر قائلاً: “هذا أمر يسير، اذهب وبعد أسبوع واحد فقط اخطبها، وستجدها منقادة إليك انقياد الخراف للراعي، فما سأفعله كفيل بأن يجعلها توافق فوراً”.
مضت عشرة أيام، وذهب الرجل مزهواً بماله وسحره، واثقاً من خضوعها، لكن المفاجأة كانت صاعقة؛ لقد رفضته المرأة وبقوة أشد من ذي قبل. جُن جنون الرجل وعاد إلى الساحر يتهمه بالفشل، فما كان من الساحر إلا أن قال بكسرة وذهول: “لقد أُسقط في يدي! كلما قمت بعمل التعاويذ والطلاسم الشيطانية، واستعنت بالأرواح الخبيثة ومردة الشياطين لإنفاذ السحر، يرتد عليّ الأثر خاسئاً وهو حسير. لا أدري ماذا كانت تعمل هذه المرأة؟ إن عملها يرد كل كيدي، وهذا أمر لم يمر بي من قبل”.
بحث الرجل عن السر، وتوسل لقريب للمرأة أن يسألها عن سر مناعتها، فقالت المرأة بلسان الواثق بالله: “والله، إنني لا أترك أذكار الصباح ولا المساء أبداً، أقرأها بيقين وحضور قلب”. هكذا انكسر كيد الساحر أمام حصن الذكر المنيع، وانصرف الرجل خائباً بفضل الله.
ما هي أذكار الصباح والمساء؟
أيها الإخوة الكرام، إن أذكار الصباح والمساء ليست مجرد كلمات تُردد، بل هي مجموعة من الأحراز النبوية، والتعاويذ الربانية، التي يكررها المسلم في طرفي النهار. هي الحارس الذي لا ينام، والحصن الذي لا يُخترق، تحفظ المسلم بإذن الله من كل أذى، وتعصمه من كل مكروه قد يطرأ عليه في ليله أو نهاره.
إنها تمنح المسلم القوة الروحية والبدنية ليقوم بأعمال يومه في راحة وأمان؛ لأنه توكل على الحي القيوم، وآوى إلى ركن شديد. إن العبد الذي يبدأ يومه بذكر الله ويختمه بذكره، هو عبدٌ جعل الله حارسه ووكيله.
الأذكار في السنة النبوية المطهرة
لقد علمنا النبي صلى الله عليه وسلم أهمية هذا الحصن في أحاديث كثيرة، نذكر منها:
1. حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وآمركم أن تذكروا الله، فإن مثل ذلك كمثل رجل خرج العدو في أثره سراعاً، حتى إذا أتى على حصن حصين فأحرز نفسه منهم. كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله» (رواه الترمذي وصححه الألباني). تأملوا هذا التشبيه العظيم؛ فالشيطان يطاردك بسرعة البرق، والذكر هو القلعة التي تغلق أبوابها دونك.
2. حديث الخروج من البيت: قال صلى الله عليه وسلم: «إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله توكلت على الله، لا حول ولا قوة إلا بالله، يقال حينئذ: هديت وكفيت ووقيت، وتنحى عنه الشيطان فيقول لشيطان آخر: كيف لك برجل قد هدي وكفي ووقي» (رواه أبو داود وصححه الألباني). أرأيت أعظم من هذا الضمان؟ هداية وكفاية ووقاية.
أقوال العلماء في فضل الأذكار
لقد أدرك سلفنا الصالح والعلماء الربانيون قيمة هذه الأذكار، فكانوا أحرص الناس عليها. سُئل الإمام ابن الصلاح رحمه الله عن القدر الذي يصير به المرء من “الذاكرين الله كثيراً والذاكرات”، فقال: “إذا واظب على الأذكار المأثورة المثبتة صباحاً ومساءً في الأوقات والأحوال المختلفة ليلاً ونهاراً كان من الذاكرين الله كثيراً والذاكرات”.
ويقول العلامة ابن عثيمين رحمه الله في وصف دقيق وقوي: “أذكار الصباح والمساء أشد من سور يأجوج ومأجوج في التحصن لمن قالها بحضور قلب”. إنها سد منيع لا تستطيع الشياطين نقبه ولا تسلقه.
آداب تلاوة الأذكار
ليست العبرة بالكم فقط، بل بالكيف والروح التي تُؤدى بها هذه العبادة. ومن أكمل الصفات عند قراءة الأذكار:
- التفرغ والتهيؤ: أن يخصص المسلم وقتاً لا يشغله فيه شاغل.
- الطهارة واستقبال القبلة: إن أمكن ذلك، تعظيماً للذكر.
- التؤدة والتأني: لا يليق بالمسلم أن “يهذّ” الأذكار هذّ الشعر، بل يقرأها بتعقل وتفهم؛ لينشرح صدره وتأنس روحه ويذوق حلاوة الإيمان.
- حضور القلب: كلما تواطأ القلب مع اللسان، زاد أثر هذه الأذكار وعظم نفعها.
- وقت أذكار الصباح: يبدأ من طلوع الفجر إلى شروق الشمس.
- وقت أذكار المساء: يبدأ من صلاة العصر إلى غروب الشمس.
- «حُفظ يومه ذلك كله».
- «لم يضره شيء».
- «تكفيك من كل شيء».
- «من قرأ بالآيتين الأخيرتين من سورة البقرة في ليلة، كفتاه».
يقول الإمام النووي رحمه الله: “ينبغي أن يكون الذاكر على أكمل الصفات، فإن كان جالساً في موضع استقبال القبلة، وجلس متذللاً متخشعاً بسكينة ووقار، مطرقاً رأسه، ولو ذكر على غير هذه الأحوال جاز ولا كراهة في حقه”. واستشهد بقوله تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ} [آل عمران: 191].
أوقات أذكار الصباح والمساء
متى نبدأ ومتى ننتهي؟ ذهب أكثر العلماء، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، والشيخ ابن باز وابن عثيمين، إلى أن:
ومن نسيها أو نام عنها، فلا يحرم نفسه فضلها، بل يقولها متى ذكرها. قال العلامة ابن عثيمين: “وأما قضاؤها إذا نسيت فأرجو أن يكون مأجوراً عليه”.
تنبيهات هامة في الأذكار
1. الانفراد والإسرار: السنة أن يأتي بها المسلم منفرداً، خافضاً بها صوته، ولا يشرع ذكرها جماعة.
2. التوقيفية: الأذكار عبادة توقيفية، أي نلتزم بالصيغة والعدد الواردين عن النبي صلى الله عليه وسلم دون زيادة أو نقصان.
3. المرونة: لا حرج في عدم ترتيب قراءتها أو قطعها ببعض الأعمال إذا دعت الحاجة.
تربية الأجيال على التحصن بالذكر
من أوجب الواجبات علينا أن نعود أولادنا وأهلنا على هذه الأذكار. إن كانوا صغاراً، نقوم نحن بتعويذهم، وإن كبروا، نشجعهم ونبين لهم معانيها وأثرها في حفظهم من العين والحسد والشرور. يمكننا وضع مسابقات ومكافآت لحفظها والمواظبة عليها، لتصبح لديهم عادة يومية لا تنفك عنهم.
ثمرات المواظبة على الأذكار
تأملوا -أيها الكرام- في وعود الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم لمن قرأ هذه الأذكار:
إن كلمة “تكفيك من كل شيء” أو “لم يضره شيء” هي كلمات عامة وشاملة. تكفيك من الهموم النفسية، من الأخطار البدنية، من الحوادث الكونية، ومن كيد شياطين الإنس والجن. أنت تلجأ إلى القوة العظمى، إلى الله الذي لا يعجزه حفظ السماوات والأرض، فهل يعجزه حفظ عبد التجأ إليه بصدق؟
ختاماً، إذا وجدت من نفسك محافظة على الأذكار، فاعلم أن هذا فتح من الله عليك، وهو خير لك من كنوز الدنيا وما فيها. أما إذا كنت مقصراً، فاعلم أنه نوع من الحرمان، فراجع نفسك وصحح مسارك، واجعل الذكر جزءاً لا يتجزأ من حياتك.
اللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، واحفظنا بحفظك، واكلأنا برعايتك. وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، محمد بن عبد الله، وعلى آله وصحبه أجمعين.


اترك تعليقاً