الفضاء الرقمي: مرآة المجتمع أم ميدان للصراع؟
هل غدت منصات التواصل الاجتماعي فضاءً للبوح المباح، أم أنها تحولت إلى غابة رقمية تستوجب تسييجها بأسلاك القانون الشائكة؟ في الأردن، لم يعد هذا السؤال ترفاً فكرياً، بل حقيقة قضائية تجسدها أروقة المحاكم. يبرز قانون الجرائم الإلكترونية في الأردن اليوم كأداة حاسمة تحاول ضبط إيقاع هذا العالم الافتراضي، حيث تتداخل فيه صرخات المبتزّين بآراء المثقفين، وصيحات الضحايا بنقد الصحفيين.
من قلب قصر العدل في عمّان، تطل علينا قضية الصحفي زياد نصيرات، الذي وجد نفسه أمام المادة 17 من القانون بسبب محتوى مرئي. هذه المادة، التي تشبه الميزان الدقيق، تجرّم إثارة الفتنة والحض على الكراهية بعقوبات مغلظة. إنها محاولة تشريعية لرسم خط فاصل بين "النقد البنّاء" الذي يبني الأوطان، و"السموم الفكرية" التي قد تفتك بالسلم المجتمعي.
لغة الأرقام: حين يتحدث البيان الإحصائي
الأرقام في علم الاجتماع الجنائي ليست مجرد خانات صماء، بل هي نبض يكشف عن تحولات الوعي والسلوك. كشف المركز الوطني لحقوق الإنسان عن قفزة ملموسة في حجم القضايا التي تعاملت معها وحدة الجرائم الإلكترونية، ويمكن تلخيص هذا المشهد الإحصائي فيما يلي:
- إجمالي القضايا في عام 2025: بلغ 29,389 قضية.
- إجمالي القضايا في عام 2024: بلغ 24,737 قضية.
- نسبة الزيادة السنوية: سجلت نمواً قدره 18.8%.
- قضايا خطاب الكراهية: بلغت 306 قضايا، أُحيل منها 120 إلى القضاء.
هذه الزيادة، كما يراها الخبراء، تعكس اتساع مظلة القانون وسهولة وصول المواطن إلى حقه القانوني، لكنها في الوقت ذاته تطرح تساؤلاً جوهرياً حول قدرة المجتمع على استيعاب ضوابط النشر الرقمي.
اغتيال الشخصية وخطاب الكراهية: مفاهيم تحت المجهر
في الأدب، الكلمة أمانة، وفي القانون، الكلمة مسؤولية. يبرز مفهوم "اغتيال الشخصية" كأحد أكثر المصطلحات تعقيداً؛ فهو ليس مجرد انتقاد عابر، بل هو استهداف ممنهج يهدف إلى هدم الكيان المعنوي للفرد. يشبه ذلك محاولة محو ملامح الإنسان في ذاكرة مجتمعه عبر تكرار الإساءة وتلوينها بصور شتى.
أما خطاب الكراهية، فهو الداء الذي ينخر في عظام التنوع المجتمعي. إنه لا ينقد الأداء ولا يحاور الفكر، بل يهاجم الهوية؛ الدين، العرق، أو الجنس. هنا يصبح قانون الجرائم الإلكترونية في الأردن بمثابة الدرع الذي يمنع تحول الاختلاف إلى خلاف، والتباين إلى قطيعة.
الوجه الجنائي: حماية المستضعفين في العالم الافتراضي
بعيداً عن جدل السياسة والصحافة، يقف القانون حارساً أميناً على خصوصيات الناس. قصة الطالبة الجامعية سهى حمادة، التي تعرضت لابتزاز عبر صور معدلة تقنياً، تذكرنا بأن الفضاء الرقمي قد يكون موطناً لجرائم بشعة. وحدة الجرائم الإلكترونية هنا لا تمارس دور الرقيب على الفكر، بل دور المنقذ الذي يعيد الحق لأصحابه ويوقف المتطاولين على أعراض الناس وأموالهم.
التوازن الحرج: بين حماية المجتمع وحرية القلم
يرى نقابيون وصحفيون أن التوسع في استخدام مصطلحات فضفاضة مثل "إثارة الفتنة" قد يؤدي إلى نوع من الارتجاف في يد الكاتب، أو ما يعرف بـ "الرقابة الذاتية". المعضلة تكمن في أن الصحافة الرقمية هي اليوم الرئة التي يتنفس منها الرأي العام، وأي ضيق في هذه الرئة قد يؤثر على حيوية الديمقراطية.
إن تحديد الوصف القانوني للجريمة يظل أمانة في عنق القضاء وحده. فالمسؤول العام، وإن كان عرضة للنقد بحكم موقعه، يظل إنساناً يحميه القانون من القدح والذم. هي معادلة صعبة، طرفاها الحرية والمسؤولية، ولا يمكن لأحدهما أن يستقيم دون الآخر.
رؤية ختامية: الكلمة ميثاق غليظ
إن القوانين، مهما بلغت دقتها، تظل نصوصاً جامدة ما لم تحركها روح العدالة ووعي المجتمع. إن الارتفاع في عدد القضايا الإلكترونية في الأردن يدعونا إلى وقفة تأمل؛ فالتحول الرقمي يجب أن يرافقه تحول أخلاقي يدرك فيه المرء أن "لوحة المفاتيح" ليست سلاحاً للإيذاء، بل أداة للبناء. إن الحفاظ على السلم المجتمعي لا يكون بتكميم الأفواه، كما أن ممارسة الحرية لا تكون بتدمير الآخرين. وفي هذا الميزان الدقيق، يبحث الأردن عن مستقبله الرقمي الآمن.



اترك تعليقاً