أزمة التعليم المعاصر: حين تقتل الوسائل غايات العلم وتضيع الهوية

# أزمة التعليم المعاصر: حين تقتل الوسائل غايات العلم وتضيع الهوية

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، والصلاة والسلام على معلم البشرية الخير، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد:

إن العلم هو قوام الأمم، وعماد الحضارات، وبه شرف الله الإنسان واستخلفه في الأرض. بيد أن المتأمل في واقعنا التعليمي المعاصر يلحظ خللاً جسيماً، وعثراتٍ تترى، كادت أن تعصف بجوهر العملية التعليمية، وتحولها من منارة لبناء العقول والأرواح إلى قوالب جامدة لا روح فيها. إننا اليوم أمام إشكالية كبرى تتمثل في طغيان “الوسيلة” على “المقصد”، وانشغال المعلم والمتعلم بالقشور عن اللباب.

تيه الوسائل وضياع المقاصد

من أعظم الخلل الواقع في منظومة التعليم الحديث هو استغراق الجهود، واستنفاد الطاقات في تحسين الوسائل التعليمية وتكثيرها، على حساب الغاية الأسمى وهي “التعلم” ذاته. لقد صُرفت الهمم عن تحصيل المقاصد العلمية الرصينة إلى استجلاب التقنيات الحديثة والاستكثار منها بلا وعي، حتى صار التعليم في كثير من محاضنه تعليماً خاوياً بلا هدف، تائهاً بلا هوية، يركز على “كيف نعرض المعلومة” ويهمل “قيمة المعلومة” و”أثرها في النفس”.

إننا لا ننكر أبداً أن الاستعانة بالوسائل التعليمية المعاصرة أمر ضروري ونافع غاية النفع؛ فهي تنشط النفوس، وتعين على ترسيخ المعلومات في الأذهان، وتكسب التلميذ مهارات تقنية متعددة، وتوسع أفقه المعرفي. هذا الجانب لا إشكال فيه، بل هو مطلوب لمواكبة العصر. ولكن، يكمن الإشكال -الذي لا ينقضي منه العجب- حين تطغى هذه الوسيلة على المقصد الأصلي، فتُبذل القوة والكمال في إعداد الوسيلة، بينما يخرج المقصد العلمي هزيلاً، ناقصاً، أو ضائعاً بالكلية.

خلط المناهج: حين تصبح الوسيلة غاية

لقد تجلى هذا الخلل بوضوح في مناهج التعليم العام، حيث وقع تخليط مريب بين المادة العلمية الرصينة وبين الوسيلة التعليمية. فأصبحنا نرى التلميذ يُكلف بالبحث عن معلومة أساسية في الشبكة العنكبوتية (الإنترنت) بدلاً من تلقيها وتأصيلها، ويؤمر تارة أخرى بإعداد مجلات ورقية أو مطويات فنية لمعالجة مشكلة علمية، أو يُلزم بتحويل حقائق علمية إلى منتجات فنية معقدة لا يتقنها إلا أصحاب الحرف.

إن هذه الممارسات توحي وكأن الغاية المنشودة هي تدريب الطلاب على مهارات يدوية أو تقنية بحتة، وتوجيه طاقاتهم نحو هوايات جانبية، مع أن هذه الوسائل -عند التحقيق- ليست إلا مهارات ثانوية. والمصيبة أن تنمية هذه المهارات في الغالب هو من قبيل “تحصيل الحاصل”؛ فجيل اليوم يكتسب مهارات التعامل مع الحاسب والإنترنت بطريقة تلقائية بحكم البيئة والاعتياد، بينما بعض المهارات الأخرى كالرسم والتصوير هي مواهب فطرية يميل إليها البعض وينفر منها آخرون، فلا يصح أن تُجعل عائقاً في طريق التحصيل العلمي الجاد.

تمييع العلوم واختزال الفنون

ومن صور العثرات المؤلمة في التعليم الحديث: جعل المنهج الدراسي خليطاً ممزوجاً من علوم شتى تحت دعوى “التجديد” و”التكامل”. خذ على سبيل المثال علوم اللغة العربية؛ فبدلاً من تدريس النحو والصرف والبلاغة كعلوم مستقلة لها أصولها، تم دمجها في مقرر واحد مشتت.

فتجد المقرر يبدأ بمسألة نحوية عابرة، يتبعها نص أدبي لشاعر معاصر، ثم قضية اجتماعية إنشائية، فمبحث بلاغي مبتور. هذا الخلط أنتج موضوعات متنافرة لا يجمعها تسلسل منطقي ولا تأصيل علمي، مما أدى إلى اختزال العلوم واضطراب الفنون في عقول الناشئة. إن العلم لا يُنال بالقفز بين الأغصان، بل بالرسوخ في الأصول.

غياب التأصيل العلمي وحيرة المتعلم

إن القضية العلمية في واقعنا التعليمي المعاصر لا تُعطى حقها من البيان والتأصيل. يُؤخذ من العلم نزر يسير لا يشفي غليلاً ولا يروي صديلاً، وتُترك في المناهج ثغرات واسعة تفتح الباب أمام الإشكالات والتخرصات. وعندما يغيب التأصيل، يضطر المدرس والتلميذ إلى سد هذه الفجوات باجتهادات شخصية غير منضبطة.

وهنا تحل الكارثة؛ إذ يُصبح الكتاب المدرسي مجرد “مستفتٍ” يطرح الأسئلة، والتلميذ “مفتياً” يجيب بغير علم، والأستاذ “فاقداً” للمادة العلمية الرصينة، والعلم في نهاية المطاف “مفقوداً”. إن هذا الواقع يخرج جيلاً يظن أنه يعلم وهو لا يعلم، يمتلك أدوات البحث ولكنه لا يملك مادة البحث، ويجيد التصفح ولكنه لا يجيد الفقه.

خارطة الطريق: العودة إلى نهج الأسلاف

ولتصحيح هذا المسار المائل، وجب علينا العودة إلى الجذور مع الاستفادة من ثمار العصر. إن بناء المقررات الدراسية -خاصة في التخصصات الشرعية واللغوية- يجب أن يحافظ على صورة هذه العلوم كما استقرت عند أئمتنا الأسلاف.

أولاً: تمايز العلوم واستقلالها

يجب أن يتمايز كل علم بموضوعه ومسائله، وأن يُعرف الطالب بغاية كل علم وثمرته. إن هذا التمايز هو الذي يبني العقلية المنظمة، ويمنع الخلط والارتباك. يجب الإشادة بالجهود التراكمية للعلماء المتقدمين، وربط الطالب بمصنفات الرواد ليعرف قدر العلم الذي يتلقاه.

ثانياً: اقتفاء سنن أهل العلم في التلقين

لا نعني بذلك الجمود على الوسائل القديمة في التدريس، بل نعني بث العلم ونقله بأسلوب حسن يركز على “صلب العلم”. ويتم ذلك عبر:
1. ذكر المعلومات الأساسية والقواعد الكلية.
2. تصنيف المادة العلمية بشكل مرتب يجمع بين الكليات والجزئيات.
3. الضبط الحاصر والتقعيد الجامع الذي يمنع شتات الذهن.
4. التفريع الواقعي الذي يربط التأصيل بالتطبيق.

التربية الراقية: توازن بين المادة والوسيلة

إننا ندعو إلى طريقة تربوية راقية، يقترن فيها الدرس الرصين بتنويع الوسائل التعليمية المشوقة، مع قدر عالٍ من التحفيز والاعتناء بجانب الممارسة والتطبيق. إن الوسيلة يجب أن تخدم المعلومة لا أن تسرق الأضواء منها.

يا معشر المربين والمعلمين، إن الأمانة ثقيلة، وإن الأجيال أمانة في أعناقكم. فاجعلوا همكم بناء عقول راسخة، ونفوس مطمئنة بالعلم اليقيني. لا تغرنكم بهرجة الوسائل عن جوهر المقاصد. علموا أبناءنا كيف يفكرون، كيف يؤصلون، وكيف يستنبطون، قبل أن تعلموهم كيف يصممون العروض ويحررون المطويات.

إن العلم رحم بين أهله، وإن المنهجية الصحيحة في الطلب هي التي تخرج العلماء والفقهاء والمصلحين. نسأل الله أن يردنا إلى دينه مرداً جميلاً، وأن ينفع بنا وبعلمنا، ويصلح أحوال تعليمنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *