أزمة “كوبانج” تتصاعد: مستثمرون أمريكيون يقاضون حكومة كوريا الجنوبية بتهمة التمييز الاستثماري

أزمة “كوبانج” تتصاعد: مستثمرون أمريكيون يقاضون حكومة كوريا الجنوبية بتهمة التمييز الاستثماري

صراع قانوني عابر للقارات يضع العلاقات التجارية بين سيول وواشنطن على المحك

تحول خرق البيانات الضخم الذي تعرضت له شركة “كوبانج” (Coupang) في كوريا الجنوبية إلى نقطة اشتعال جيوسياسية، حيث اتخذ عدد متزايد من المستثمرين الأمريكيين إجراءات قانونية ضد حكومة كوريا الجنوبية، مما صعد الأزمة من مجرد تحقيق تنظيمي إلى نزاع دولي واسع النطاق.

تُعرف شركة “كوبانج” بأنها “أمازون كوريا الجنوبية”، وهي العملاق المهيمن على قطاع التجارة الإلكترونية هناك، وبالرغم من أن عملياتها تتركز في كوريا وتايوان واليابان، إلا أن مقرها العالمي يقع في مدينة سياتل الأمريكية، وهي مدرجة في بورصة نيويورك، مما يمنحها حماية قانونية بموجب الاتفاقيات الدولية.

اللجوء إلى التحكيم الدولي بموجب اتفاقية التجارة الحرة

يسعى المستثمرون الآن للحصول على تحكيم دولي بموجب اتفاقية التجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكوريا (FTA). وفي 23 يناير 2026، قدمت شركات الاستثمار الأمريكية “جرين أوكس” (Greenoaks) و”ألتيميتر” (Altimeter) إخطاراً إلى وزارة العدل الكورية الجنوبية، بدعوى تعرضهم لخسائر نتيجة ما وصفوه بـ “التحقيق التمييزي” للحكومة في خرق البيانات. وانضم إلى الدعوى لاحقاً شركات كبرى أخرى مثل “أبرامز كابيتال” و”ديورابل كابيتال” و”فوكس هيفن”.

تتمحور القضية حول نظام “تسوية المنازعات بين المستثمرين والدول” (ISDS)، حيث يزعم المستثمرون أن الحكومة الكورية تصرفت بشكل غير قانوني ومتحيز ضد الشركة الأمريكية لصالح منافسين محليين وصينيين.

تفاصيل الخرق والجدل حول الأرقام

تتلخص الواقعة في إفصاح “كوبانج” في ديسمبر الماضي عن تسريب بيانات شخصية لنحو 34 مليون عميل كوري نتيجة خرق استمر لأكثر من خمسة أشهر. وشملت البيانات الأسماء، وعناوين البريد الإلكتروني، وأرقام الهواتف، وتاريخ الطلبات.

  • الرواية الرسمية: تزعم لجنة حماية المعلومات الشخصية (PIPC) في كوريا أن أكثر من 30 مليون حساب تعرضوا للاختراق.
  • رواية المستثمرين: يؤكد المستثمرون أن الحقائق تشير إلى تضرر 3,000 حساب فقط، وأن الحكومة ضخمت الأرقام لتبرير عقوبات قاسية.

وتواجه كوبانج ضغوطاً غير مسبوقة، تشمل تهديدات بغرامات مالية باهظة تصل إلى 3% من إيراداتها (أكثر من 800 مليون دولار)، مع مقترحات تشريعية لرفع السقف إلى 10% وتطبيقه بأثر رجعي، وهو ما يراه المستثمرون “هجوماً غير مسبوق” يهدف إلى تقويض أعمال الشركة.

دوافع سياسية واتهامات بالتمييز

يشير المستثمرون في مذكرتهم القانونية إلى أن تعامل كوريا الجنوبية مع خروقات البيانات يفتقر إلى الاتساق. وضربوا أمثلة بشركات مثل “كاكاو باي” (KakaoPay) و”إس كي تيليكوم” (SK Telecom) ومنصة “علي إكسبريس” الصينية، حيث واجهت هذه الشركات غرامات رمزية أو إجراءات مخففة رغم خطورة انتهاكاتها.

من جانبه، دعا الرئيس الكوري الجنوبي “لي جاي ميونج” علناً إلى فرض عقوبات مشددة، معتبراً أن الشركة لم تواجه عواقب كافية، مما يعزز وجهة نظر المستثمرين بأن القضية اتخذت طابعاً سياسياً يستهدف الاستثمارات الأمريكية.

تداعيات جيو-اقتصادية واسعة

يرى الخبراء، ومنهم آدم فارار من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، أن هذه القضية تعزز الادعاءات الأمريكية بشأن المعاملة غير العادلة لشركات التكنولوجيا في كوريا الجنوبية. ولا تقتصر الأزمة على “كوبانج” فحسب، بل تمتد لتشمل سياسات رقمية أخرى مثل رسوم استخدام الشبكة المفروضة على “نتفليكس”، وقواعد الدفع في متاجر تطبيقات “آبل” و”جوجل”، وقيود توطين البيانات.

في محاولة لاحتواء الأزمة إدارياً، قامت “كوبانج” باستبدال رئيسها التنفيذي “بارك داي جون” بـ “هارولد روجرز”، كبير المحامين في الشركة الأم بالولايات المتحدة، في خطوة تعكس الرغبة في إدارة النزاع القانوني من منظور دولي.

تبدأ الآن فترة تشاور إلزامية مدتها 90 يوماً بين وزارة العدل الكورية والمستثمرين قبل البدء في إجراءات التحكيم الرسمية، وهو ما سيحدد مستقبل واحدة من أكبر شركات التجارة الإلكترونية في آسيا وعلاقتها بأحد أهم أسواقها الاستثمارية.

المصدر: TechCrunch

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *