# معرفة الفضل: كيف واجه الإمام ابن الجوزي فتن النفس بجميل إحسان الله؟
الحمد لله الذي تفضل على عباده بسوابغ النعم، وأفاض عليهم من جوده ما يكلُّ عن حصره اللسان والقلم، والصلاة والسلام على خير الأنام، الذي كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه شُكراً لربه المنعم، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إنَّ أعظم المعارك التي يخوضها الإنسان في حياته ليست تلك التي تُدار بالسيوف والرماح، بل هي معركة خفية تدور رحاها في جنبات الصدر، وبين طيات الروح؛ إنها معركة “مجاهدة النفس”. وفي هذا السياق، ينقل لنا الإمام العلامة ابن الجوزي -رحمه الله- في كتابه الفذ “صيد الخاطر” تجربة إيمانية فريدة، تُمثل دستوراً أخلاقياً لكل مؤمن يطمح إلى تهذيب نفسه والارتقاء بها عن مواطن الزلل.
الصراع بين هوى النفس وبصيرة الإيمان
يفتتح الإمام ابن الجوزي حديثه بكشف الستار عن لحظة ضعف بشري، حيث يقول: “نازعتني نفسي إلى أمر مكروه في الشرع، وجعلت تنصب لي التأويلات وتدفع الكراهة، وكانت تأويلاتها فاسدة، والحجة ظاهرة على الكراهة”.
هنا نرى النفس الأمارة بالسوء وهي تمارس مكرها المعهود؛ فهي لا تأمر بالمنكر صراحة في البداية، بل تبدأ بحياكة ثوب من “التأويلات” الواهية، محاولةً تزيين القبيح وإظهاره في مظهر المباح، أو على الأقل تخفيف وطأة الكراهة في قلب المؤمن. إنها عملية “خداع ذاتي” تهدف إلى تخدير الضمير ليعبر الإنسان جسر المعصية دون وخز.
ولكن، لأن قلب ابن الجوزي كان عامراً بنور اليقين، لم تنطلِ عليه تلك الحيل. لقد أدرك بذكائه الإيماني أن تلك الحجج واهية، وأن الحق أبلج والباطل لجلج. ومع ذلك، أحسَّ بثقل النزاع، فأدرك أن النجاة لا تكون إلا بالفرار إلى الله.
الاستغاثة بالوحي وسر سورة يوسف
حين اشتد الكرب على قلب الإمام، لم يجد ملجأً إلا عتبات الربوبية، فقال: “فلجأت إلى الله تعالى في دفع ذلك عن قلبي، وأقبلت على القراءة”. وهذا هو المنهج النبوي؛ فإذا حزبك أمر، فافزع إلى الصلاة والقرآن.
ويشاء القدر الإلهي أن يصل في ورده إلى سورة يوسف، وفي غمرة انشغال قلبه بذلك الخاطر المكروه، الذي كاد أن يحجب عنه تدبر ما يقرأ، استوقفته آية كانت بمثابة الصاعقة التي بددت غيوم الوساوس، وهي قوله تعالى على لسان يوسف الصديق عليه السلام: { قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ }.
يقول ابن الجوزي: “انتبهت لها وكأني خوطبت بها، فأفقت من تلك السكرة، فقلت: يا نفس أفهمت؟”. لقد كانت هذه الآية هي المفتاح الذي فكَّ قيود نفسه المكبلة بالهوى، وأعادها إلى جادة الصواب.
فقه الوفاء: درس من يوسف الصديق
تأمل الإمام في حال يوسف عليه السلام؛ فهو عبدٌ بيع ظلماً، واشتراه عزيز مصر، ومع ذلك حفظ له الجميل وسماه “ربي” (أي سيدي ومربيَّ) اعترافاً بفضله، وقال: “أحسن مثواي”. فإذا كان هذا حال بشر مع بشر غمره بالإحسان المادي، فكيف يكون حال العبد مع خالقه ومولاه الحق؟
لقد استنبط ابن الجوزي من هذا الموقف مبدأ “معرفة الفضل”، وبدأ يقرع نفسه بسياط التذكير بنعم الله التي لا تُعد ولا تُحصى، ليخلق بداخلها حياءً يمنعها من مقارفة ما يكرهه المولى سبحانه.
تعداد النعم: رحلة في ملكوت الإحسان الإلهي
خاطب الإمام نفسه خطاباً مؤثراً، معدداً عليها ألوان العطايا الإلهية، وفيما يلي تفصيل لهذه الرحلة الوعظية التي تضمنها المقال:
أولاً: نعمة الإيجاد والتربية
قال الإمام: “فكيف بك وأنت عبد على الحقيقة لمولى ما زال يحسن إليك من ساعة وجودك”. إن أول النعم هي أن أخرجك الله من عدم إلى وجود، وصورك في أحسن تقويم، وتولى تربيتك ورعايتك وأنت في ظلمات الأرحام، ثم أخرجك طفلاً لا تملك لنفسك نفعاً ولا ضراً، فسخر لك القلوب لترحمك والأيدي لترعاك.
ثانياً: نعمة الستر الجميل
“وإن ستره عليك الزلل أكثر من عدد الحصا”. تأمل أيها المؤمن في هذا الستر؛ كم من مرة خلوت بما يكره الله، فأسدل عليك ستره الجميل؟ لم يفضحك بين الخلائق، ولم يعاجلك بالعقوبة، بل ترك لك باب التوبة مفتوحاً، وأظهر للناس منك الجميل وستر عنهم القبيح.
ثالثاً: نعمة الهداية والدفاع عنك
“أفما تذكرين كيف رباك وعلمك ورزقك ودافع عنك، وساق الخير إليك، وهداك أقوم طريق، ونجاك من كل كيد؟”. إن الله سبحانه هو الذي ثبت قلبك على الإيمان في زمن الفتن، وهو الذي صرف عنك كيد الكائدين ومكر الماكرين دون أن تشعر.
رابعاً: نعمة العقل والذكاء وفصاحة اللسان
انتقل الإمام لوصف النعم المعنوية: “وضم إلى حسن الصورة الظاهرة جودة الذهن الباطن؟ وسهل لك مدارك العلوم حتى نلت في قصير الزمان ما لم ينله غيرك في طويله”. إنَّ الذكاء والفهم وسرعة الإدراك ليست بجهدك الشخصي، بل هي هبات ربانية. ثم زادك الله من فضله بأن جعل لسانك بليغاً، تنطق بالحق، وتجلي “عرائس العلوم في حلل الفصاحة”، فتقبلها الناس منك بحسن ظنهم بك، وما ذلك إلا بستر الله لمقابحك.
خامساً: نعمة الرزق الهنيء
“وساق رزقك بلا كلفة تكلف ولا كدر من، رغداً غير نزر”. كم من إنسان يكدح ليله ونهاره ولا يحصل إلا النزر اليسير، وأنت يسّر الله لك رزقك بكرامة وعزة، دون أن تضطر لإذلال نفسك للبشر.
ميزان النعم الظاهرة والباطنة
يستمر الإمام في تعداد العطايا التي يعجز العقل عن الإحاطة بها، فيقول متسائلاً بلهجة الواثق:
- هل أشرح لك حسن الصورة وصحة الآلات (الأعضاء)؟
- أم سلامة المزاج واعتدال التركيب الجسدي؟
- أم لطف الطبع الذي نزهك عن الخساسة والدناءة؟
- أم إلهام الرشاد منذ نعومة أظفارك؟
- أم الحفظ والوقاية من الوقوع في الفواحش الكبرى؟
- أم نعمة اتباع الأثر والتمسك بالسنة النبوية، بعيداً عن الجمود المذموم أو الابتداع في الدين؟
كل هذه النعم هي حواجز وحصون ينبغي أن تمنع النفس من الوقوع في الحرام. فكيف يقابل العبد كل هذا الكرم بالمعصية؟
المنع هو عين العطاء
وفي لفتة تربوية عميقة، يوجه الإمام نفسه والعباد جميعاً إلى فقه “المنع الإلهي”. فليس كل ما نتمناه هو خير لنا. يقول: “فإن منعت مراداً فرزقت الصبر عنه بعد أن تبين لك وجه الحكمة في المنع فسلمي حتى يقع اليقين بأن المنع أصلح”.
إن الله سبحانه حين يمنعك شيئاً تحبه، فإنه يمنعه رحمةً بك، أو ليدخر لك ما هو أفضل منه، أو ليدفع عنك شراً لا تراه. فالتسليم لله في المنع هو ذروة العبودية ومعرفة الفضل.
الخاتمة: الحياء لجام المؤمن
يختم الإمام ابن الجوزي هذه الخاطرة الإيمانية بالرجوع إلى الآية التي أيقظته: { مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ }.
إنَّ معرفة الفضل هي أصل كل خير؛ فمن عرف فضل الله عليه استحيى أن يعصيه، ومن استحيى من الله حفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وذكر الموت والبلى. إنَّ طريق النجاة يبدأ من هنا: أن تنظر في مرآة النعم، فترى قبح المعصية في مقابل جمال الإحسان الإلهي.
فيا أيها القارئ الكريم، اجعل من كلمات ابن الجوزي نبراساً لك حين تراودك نفسك عن طاعة، أو تزين لك معصية. تذكر أن الله الذي أعطاك كل شيء، لا يستحق منك أن تجعل نِعَمَه سلاحاً تعصيه به. استعذ بالله، وتذكر إحسانه إليك، وقل بلسان حالك وقلبك: “معاذ الله.. إنه ربي أحسن مثواي”.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا شكر نِعمه، وحسن عبادته، وأن يثبت قلوبنا على دينه، إنه وليُّ ذلك والقادر عليه.


اترك تعليقاً