القمة الأفريقية 39: قراءة في كواليس التحولات الكبرى ومستقبل القارة
لم تكن القمة الأفريقية التاسعة والثلاثون المنعقدة في أديس أبابا (فبراير 2026) مجرد حدث دوري، بل كانت محطة كاشفة لعمق التحولات الجيوسياسية التي تعصف بالقارة السمراء، وسط تصاعد الانقلابات العسكرية والنزاعات المسلحة.
قيادة جديدة وتوجهات حازمة
جاءت هذه القمة في ظل قيادة جديدة للمفوضية برئاسة محمود علي يوسف، الذي أضفى صبغة سياسية واضحة على النقاشات، خاصة في الملفات التي تمس التقاطع الأفريقي العربي، مما عزز من حضور القضايا العربية في البيان الختامي.
أبرز ملاحظات ومخرجات القمة الأفريقية:
1. إنهاء ملف المشاركة الإسرائيلية
خلافاً للأعوام السابقة، غاب السجال حول مشاركة إسرائيل تماماً. ويعود الفضل في ذلك إلى الموقف الحازم لرئيس المفوضية الجديد الرافض لفكرة التطبيع أو منح إسرائيل صفة مراقب، مما أدى إلى غياب أي محاولة إسرائيلية للمشاركة بعد طردها في قمتي 2023 و2024.
2. معضلة الانقلابات والشرعية السياسية
شهدت القمة تناقضاً في التعامل مع الدول التي شهدت تغييرات غير دستورية:
- عودة غينيا: تم السماح لغينيا بالعودة للاتحاد بعد انتخابات فاز بها قائد المجلس العسكري "مادمادي دومبويا".
- الدول المعلقة: لا تزال 6 دول (السودان، مالي، بوركينا فاسو، النيجر، مدغشقر، وغينيا بيساو) تحت تعليق العضوية، لكن مع تبني مقاربة جديدة تسمح لها بالمشاركة في الملفات التنموية والإنسانية.
3. الملف السوداني: اعتراف ضمني ومناورات دبلوماسية
سجلت القمة تحولاً لافتاً في التعامل مع الأزمة السودانية:
- تجاوز حمدوك: لم يتم توجيه الدعوة لرئيس الوزراء السابق، مما خفف من حدة التوتر مع قيادة الجيش السوداني.
- المشاركة الرسمية: شاركت الخرطوم عبر وزير خارجيتها في اجتماعات مجلس السلم والأمن، مما أثمر عن بيان يدعم سيادة السودان ويرفض "الحكومة الموازية" التي حاولت قوات الدعم السريع الترويج لها.
ملفات غابت عن طاولة النقاش العلني
رغم حساسيتها، لوحظ تجاهل متعمد لملفين شائكين لتجنب الصدام مع إثيوبيا (دولة المقر):
- سد النهضة: لم يتم التطرق للأزمة المصرية الإثيوبية رغم أن شعار القمة كان حول "استدامة المياه".
- النزاع الإثيوبي الإريتري: غابت الإشارة للتوترات الحدودية ورغبة أديس أبابا في الحصول على منفذ بحري، تفادياً لتفجير الخلافات الداخلية.
قضية الصومال والتدخلات الخارجية
أدانت القمة بشدة الاعتراف الإسرائيلي الأحادي بـ "أرض الصومال"، واعتبرته تهديداً لوحدة الأراضي الصومالية. كما برز تطور مهم بترحيب المجلس بمشاركة قوات مصرية في بعثة حفظ السلام الجديدة (أوسوم) لتكون بديلاً للقوات المنسحبة، رغم تحديات التمويل التي تواجهها البعثة.
إصلاح مجلس الأمن: صوت أفريقي موحد
جددت القمة مطالبتها بإصلاح مجلس الأمن الدولي، مؤكدة أن غياب أفريقيا عن المقاعد الدائمة يمثل "مظلمة تاريخية" يجب تصحيحها، لضمان أن تكون القارة شريكاً أصيلاً في صنع القرار العالمي.
الخلاصة: تحدي الانتقال من القول إلى الفعل
تكشف القمة الأفريقية 39 عن مفارقة عميقة؛ فبينما يمتلك الاتحاد الأفريقي وفرة في الخطاب السياسي، إلا أنه يواجه حذراً شديداً في الفعل الميداني. تظل القارة أمام اختبار تاريخي للتحول من منصة للبيانات البروتوكولية إلى أداة فعالة لصناعة القرار وحماية الاستقرار بعيداً عن التدخلات الخارجية.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً