أسرار المنشقين عن الاستخبارات: مدير سابق في CIA يكشف كواليس الهروب وحياة الجواسيس الخفية
بين عامي 1999 و2001، تولى جو أوغستين مسؤولية واحدة من أكثر الوحدات حساسية وغموضاً في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA): "وحدة المنشقين". كانت مهمته تتلخص في إعادة صياغة أقدار الجواسيس الفارين من جحيم العمل السري وتوفير ملاذ آمن لهم بعيداً عن أعين القتلة، وهي تجربة كشف عن خباياها في مقابلة مطولة مع موقع "آي بيبر" البريطاني.
سيكولوجية المنشق: ليسوا أشخاصاً عاديين
يرى أوغستين أن الجواسيس الذين يقررون خيانة بلدانهم يمتلكون تركيبة نفسية فريدة لا تخضع للمعايير الطبيعية. ويصفهم بخصائص محددة:
- شخصيات من النمط (أ): يتميزون بالعدوانية، وحب المخاطرة، وامتلاك "أنا" متضخمة تجعلهم يعتقدون أنهم أذكى من الجميع.
- جنون العظمة والغرابة: يروي أوغستين قصصاً عن منشق روسي ادعى أنه وريث "عرش القياصرة" وكان يجلس على عرش داخل شقته، وآخر رفض الهروب إلا بصحبة 35 قطة!
- الارتياب المزمن: بعضهم يصاب بجنون الارتياب لدرجة الاعتقاد بأن نزهة بسيطة في حديقة عامة هي فخ لاغتيالهم.
لماذا ينقلب الجواسيس على روسيا؟
على عكس ما تروجه أفلام السينما، فإن الدوافع الأيديولوجية باتت نادرة في العصر الحديث. يحدد أوغستين محركين رئيسيين للخيانة:
- المال: الرغبة في الثراء وتأمين حياة مترفة في الغرب.
- الكرامة الجريحة: الشعور بالتهميش أو تجاوزهم في الترقيات داخل أجهزتهم الأمنية، مما يولد رغبة في الانتقام.
قصص من قلب الخطر: بين النجاة والاغتيال
تطرق أوغستين في حديثه إلى مصائر شخصيات هزت قصصها الرأي العام العالمي:
- سيرغي سكريبال: الذي نجا من محاولة تسميم بـ "نوفيتشوك" في سالزبوري، ولا يزال مكان وجوده لغزاً حتى عن أقاربه، مرجحاً أنه يعيش بهوية مزيفة تماماً.
- ماكسيم كوزمينوف: الطيار الذي فر بمروحيته إلى أوكرانيا وانتهى به الأمر مقتولاً بالرصاص في إسبانيا، في رسالة دموية من الكرملين.
- ألكسندر ليتفينينكو: العميل السابق الذي قُتل بمادة البولونيوم المشع في لندن، مما يجسد المخاطر التي تلاحق هؤلاء المنشقين.
كواليس الهروب: من روايات الجاسوسية إلى الواقع
يكشف أوغستين أن بعض عمليات التهريب كانت "سينمائية" بامتياز، ومن أبرزها حالة أوليغ غوردييفسكي، رئيس مكتب الـ KGB السابق في لندن، الذي هُرّب في صندوق سيارة دبلوماسية عبر الحدود الفنلندية، ولم ينقذه من الكلاب البوليسية سوى "رقائق بطاطس" وحفاظ متسخ شتت انتباهها.
الثمن الباهظ: حياة "روبرت سميث"
النجاة لا تعني الحرية المطلقة، فبمجرد وصول المنشق، تفرض عليه الوكالة قواعد صارمة لضمان بقائه حياً:
- محو الهوية: يُمنح اسماً جديداً مثل "روبرت سميث" ويُطلب منه نسيان ماضيه.
- العزلة التامة: يُمنع التواصل مع الأهل، أو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، أو الاتصال بأي شخص في بلده الأصلي.
- العيش في الظل: يتم نقلهم إلى مناطق نائية ومجهولة للبدء من الصفر تحت هوية مستعارة.
الخاتمة: الالتزام الأخلاقي والاستراتيجي
يؤكد أوغستين أن تعهد الأجهزة الغربية بحماية المنشقين مدى الحياة ليس مجرد التزام أخلاقي، بل هو ضرورة استراتيجية لإقناع جواسيس آخرين بأن المجازفة بحياتهم ستؤدي في النهاية إلى بر الأمان، رغم أن شبح الانتقام يظل يطارد الكثيرين منهم حتى النهاية.
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً