أسرار شهر شعبان: كيف تستثمر شهر الغفلة لتهيئة قلبك لرمضان؟

# الصيام في شعبان.. والعبادة في وقت الغفلة: بوابة العبور نحو رمضان

إنَّ الصيام عبادةٌ من أجلِّ العبادات وأعظمها قدراً عند الله عز وجل، فهي العبادة التي يظهر فيها الإخلاص في أبهى صوره؛ إذ هي سرٌّ بين العبد وربه لا يطلع عليه إلا هو. ولعظمة هذه العبادة، جعل الله سبحانه وتعالى أجرها مختصاً به، كريماً في عطائه، جزيلاً في ثوابه.

فضيلة الصيام ومكانته في التشريع

لقد جاء في الحديث القدسي الذي يرويه النبي ﷺ عن ربه عز وجل أنه قال: «كل عمل أبن آدم له إلا الصيام لي وأنا أجزي به»؛ وهذا التخصيص يشير إلى شرف الصيام ومكانته العلية. ولم يكتفِ الشارع الحكيم ببيان الأجر، بل جعل الصيام وقايةً وجُنَّةً وتكفيراً للسيئات، فقد قال النبي ﷺ: «فتنة الرجل في أهله وماله وولده وجاره تكفّرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» (رواه الترمذي).

ومن بشائر الصائمين ما خصه الله لهم في الجنة، فقد قال ﷺ مرغباً في هذه الشعيرة: «في الجنة باب يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة، لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد». فما أعظمها من كرامة، وما أسماه من مقام يطمح إليه المشمرون.

لماذا كان النبي ﷺ يخص شعبان بالصيام؟

لقد كان من هدي رسول الله ﷺ تخصيص بعض الأيام والشهور بمزيد من العبادة، وكان لشهر شعبان نصيب الأسد من صيامه ﷺ. فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت يا رسول الله: لم أرك تصوم من شهر من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: «ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه، بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين، وأحب أن يرفع عملي وأنا صائم» (رواه النسائي).

وفي هذا الحديث سران عظيمان:
1. الغفلة: أن الناس ينشغلون عنه بفضل رجب (الشهر الحرام) وقرب رمضان، والعبادة في وقت الغفلة لها مزية كبرى.
2. رفع الأعمال: أن شعبان هو ميعاد عرض الأعمال السنوية على الله، فأراد النبي ﷺ أن يكون ختام صحيفته السنوية صياماً.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كان رسول الله يصوم ولا يفطر حتى نقول: ما في نفس رسول الله أن يفطر العام، ثم يفطر فلا يصوم حتى نقول: ما في نفسه أن يصوم العام، وكان أحب الصوم إليه في شعبان (رواه الإمام أحمد).

كما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان». وفي رواية لأم سلمة رضي الله عنها: «ما رأيت رسول الله يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان»، وفسر العلماء ذلك بأنه كان يصوم معظمه، كما قال ابن المبارك: “هو جائز في كلام العرب، إذا صام أكثر الشهر أن يقال: صام الشهر كله”.

شعبان.. السنن الرواتب لصيام رمضان

تحدث العلماء عن سر استحباب كثرة الصيام في شعبان، فذهب بعضهم إلى أن صيام شعبان أفضل من التطوع في غيره من الشهور، حتى المحرم، وذلك لقربه من فريضة رمضان. فصيام شعبان بالنسبة لرمضان كصلاة السنن الرواتب القبلية بالنسبة للفريضة، وصيام الست من شوال كالسنن البعدية.

وكما أن السنن الرواتب تجبر خلل الفرائض وهي أفضل من التطوع المطلق، فكذلك صيام ما قبل رمضان وما بعده أفضل من الصيام المطلق الذي لا يتصل به. وفي هذا تدريب للنفس وتهيئة لها، يقول ابن رجب رحمه الله: “قيل في صوم شعبان: إن صيامه كالتمرين على صيام رمضان؛ لئلا يدخل في صوم رمضان على مشقة وكلفة، بل يكون قد تمرن على الصيام واعتاده، ووجد بصيام شعبان قبله حلاوة الصيام ولذته، فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط”.

حال السلف في شهر القراء

كان السلف الصالح يدركون أن شعبان هو البوابة الحقيقية لرمضان، فكانوا يجدّون فيه ويجتهدون. سمى سلمة بن كهيل شهر شعبان بـ “شهر القراء”، وكان عمرو بن قيس إذا دخل شعبان أغلق حانوته (تجالرته) وتفرغ تماماً لقراءة القرآن، ليتروض قلبه قبل دخول الشهر الكريم.

وقد صاغ أبو بكر البلخي فلسفة الاستعداد في كلمات جامعة فقال: “شهر رجب شهر الزرع، وشهر شعبان شهر سقي الزرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزرع”. وقال أيضاً: “مثل شهر رجب كالريح، ومثل شعبان مثل الغيم، ومثل رمضان مثل المطر، ومن لم يزرع ويغرس في رجب، ولم يسق في شعبان فكيف يريد أن يحصد في رمضان؟”.

إنها دعوة للاستيقاظ، فمن ضيع رجب فليتدارك في شعبان، ومن فرط في السقي فلا يلومنّ إلا نفسه يوم الحصاد.

فضيلة العبادة وقت الغفلة وشدة الحر

إن قول النبي ﷺ عن شعبان: «ذاك شهر تغفل الناس فيه عنه» يحمل دلالة عميقة على فضل العمل وقت انشغال الناس. فالعبادة في هذا الوقت أشق على النفس، وأخلص لله، وأبعد عن الرياء. والنفوس بطبعها تتأسى بمن حولها، فإذا كثر الطائعون سهلت الطاعة، أما إذا انفرد العبد بالطاعة في وقت غفلة الجميع، كان أجره أعظم ومقامه أرفع.

ومن أعظم ما يتقرب به العبد في أوقات الغفلة وشدة الحر هو الصيام، لما فيه من “ظمأ الهواجر”. كان معاذ بن جبل رضي الله عنه عند احتضاره يبكي ويتأسف على ما يفوته من ظمأ الهواجر. وكذلك ابن عمر رضي الله عنه قال عند موته: “ما تركت خلفي شيئاً من الدنيا آسى عليه غير ظمأ الهواجر وغير مشي إلى الصلاة”.

لقد كان الصديق رضي الله عنه يصوم في الصيف ويفطر في الشتاء، ووصى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنه عبد الله عند موته فقال: “عليك بالصيام في شدة الحر في الصيف”. وكانت عائشة رضي الله عنها تتوخى الأيام الحارة لتصومها، وكان مجمع التيمي يصوم في الصيف حتى يسقط من الإعياء.

وهذا ليس تعذيباً للنفس، بل هو علو همة وشوق لما عند الله، كما قالت إحدى الصالحات حين سُئلت عن صيامها في أشد الأيام حراً: “إن السعر إذا رخص اشتراه كل أحد”، تقصد أنها تطلب العمل الذي لا يقدر عليه إلا القليل لغلاء ثمنه عند الله.

قصص من عبق التاريخ في الصيام

يروى عن أبي الدرداء رضي الله عنه قوله: “صوموا يوماً شديداً حره لحر يوم النشور، وصلوا ركعتين في ظلمة الليل لظلمة القبور”.

ومن أعجب القصص ما روي عن أم أيمن رضي الله عنها، حين هاجرت وهي صائمة وليس معها زاد ولا ماء في شدة حر تهامة، حتى أشرفت على الموت من العطش، فأنزل الله لها دلواً من السماء فشربت منه حتى رويت، فما عطشت بعد ذلك أبداً، وكانت تصوم في أشد الحر وتطوف لعلها تعطش فما تقدر على العطش حتى ماتت.

وفي حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أنهم كانوا في سفينة فسمعوا هاتفاً يقول: «قفوا أخبركم بقضاء قضاه الله تعالى على نفسه، أن من أعطش نفسه لله في يوم حارٍّ يرويه يوم القيامة». فكان أبو موسى لا يمر عليه يوم حار إلا صامه حتى يتلوى من العطش، رجاء ذلك الريّ يوم القيامة.

خاتمة وتذكرة

أخي الكريم، إن أيام عمرنا تتصرم، وساعات حياتنا تنقضي كبرق الخاطف. إن شعبان فرصة ذهبية غالية، وغنيمة باردة بين يديك. لئن كان النهار طويلاً والحر مشاقاً، فتذكر أنك ترجو الراحة الأبدية في جنات الخلود، حيث لا ظمأ ولا نصب.

تدارك ما فاتك في رجب، وأصلح ما أفسدته الغفلة، واجعل من شعبان ميداناً لسباق الطاعات، وسقياً لغرس الإيمان، لتكون في رمضان من الفائزين المقبولين.

مضى رجب وما أحسنت فيـه … وهذا شهر شـعبان المبـارك
فيـا من ضيع الأوقـات جهلا … بحرمتها أفق واحـذر بوارك
فسـوف تفـارق اللذات قهـرا … ويخلى الموت قهرا منك دارك
تدارك ما استطعت من الخطايا … بتوبة مخلص واجعل مـدارك
على طلب السـلامة من جحيم … فخير ذوي الجرائم من تدارك

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *