# فضائل شهر رمضان المبارك: سوق الآخرة ومنحة الرحمن للعباد
الحمد لله الذي جعل في تعاقب الأيام مواسم للطاعات، وفتح لعباده أبواب القربات، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، الذي بيّن لنا فضل رمضان وعظيم قدره عند رب العالمين، وبعد:
يطل علينا شهر رمضان المبارك في كل عام كغيثٍ هتان يحيي القلوب الجدبة، ويغسل أرواحاً أثقلتها الذنوب والخطايا. إن رمضان ليس مجرد شهرٍ للامتناع عن الطعام والشراب، بل هو محطة ربانية كبرى، ومدرسة إيمانية تتجدد فيها العهود مع الله عز وجل. إنه أفضل الشهور على الإطلاق، ففيه تتنزل الرحمات الإلهية لتغمر الكون بأسره، وتتضاعف البركات في الأرزاق والأعمال، وتزداد القربات التي ترفع درجات العبد عند خالقه.
رمضان: سوق الآخرة الذي نُصب في الدنيا
إن رمضان هو بحق “سوق الآخرة” الذي يُنصب في هذه الدنيا الفانية؛ ليغتنم فيه المفلحون خير أيام الدنيا ولياليها. في هذا السوق، البضاعة هي التقوى، والربح هو الجنة، والمشتري هو العبد الذي عرف قدر زمانه. إنه الوقت الذي يفر فيه المؤمن من ضجيج الحياة ليرتمي في أحضان الطاعة، وليفوز فيه الفائزون بأعظم المنح والعطايا التي لا تجتمع في غيره من الشهور.
لقد خص الله عز وجل هذا الشهر بخصائص تميزه عن سائر العام، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاكم شهر رمضان، شهر مبارك فرَض الله عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتغلق فيه أبواب الجحيم، وتغل فيه مردة الشياطين، لله فيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرم خيرها فقد حُرم»؛ (رواه النسائي). تأمل في قوله صلى الله عليه وسلم “أتاكم”، فهي بشارة تملأ القلوب استبشاراً، ووصفه بـ “المبارك” يدل على أن البركة تشمل زمانه، وعمله، وثوابه.
تهيئة الكون لاستقبال الصائمين
من عظيم فضل رمضان أن الكون كله يتغير لاستقباله، وكأن الطبيعة والملكوت يحتفلان بقدوم شهر الصيام. فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاء رمضان فتحت أبواب الجنة، وغُلقت أبواب النار، وصُفِّدت الشياطين»؛ (رواه البخاري ومسلم).
هذا التغيير الكوني له دلالات إيمانية عميقة:
1. فتح أبواب الجنة: إشارة إلى كثرة الطاعات التي يوفق الله إليها العباد، والتي هي سبب لدخول الجنة.
2. إغلاق أبواب النار: رحمة من الله بعباده وتقليلاً لفرص المعاصي والآثام.
3. تصفيد الشياطين: إعانة للمسلم على نفسه، ليتفرغ للعبادة دون وسوسة المردة، فتصفو الروح وتشرق النفس بنور الطاعة.
رمضان.. محطة لتكفير الذنوب وتجديد التوبة
إنه شهر تكفير الذنوب بامتياز، حيث يمحو الله فيه ذنوب العام بممحاة التقوى والإنابة. إن المسلم الذي يدرك حقيقة هذا الشهر يرى فيه فرصة لا تعوض للتطهر من الأوزار. وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهنَّ إذا اجتُنبت الكبائر»؛ (رواه مسلم).
هذا الشهر هو الممحاة الربانية التي تغسل القلوب، وهو الشهر الذي مَن صامه وقامه إيمانًا واحتسابًا كان مغفرة لذنبه. والشرط هنا دقيق وعظيم: “إيماناً واحتساباً”؛ أي إيماناً بوجوبه وفضله، واحتساباً للأجر عند الله وحده، لا رياءً ولا سمعة. وفي الحديث الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ومن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه»؛ (رواه البخاري ومسلم)، ولم يقتصر الفضل على الصيام فحسب، بل شمل القيام أيضاً، حيث قال صلى الله عليه وسلم: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غُفر له ما تقدم من ذنبه»؛ (رواه البخاري ومسلم).
ليلة القدر: تاج الزمان وجوهرة الشهر
وفيه ليلة هي تاج هذا الشهر وعطره الفواح، ليلة خير من ألف شهر، وهي ليلة القدر التي تتنزل فيها الملائكة والروح. فعن أنس بن مالك قال دخل رمضان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن هذا الشهر قد حضركم، وفيه ليلة خير من ألف شهر، من حُرمها فقد حُرم الخير كله، ولا يُحرم خيرها إلا محروم»؛ (رواه ابن ماجه).
إن الحرمان الحقيقي ليس في فقد الأموال أو المتاع، بل الحرمان هو أن يمر هذا الموسم العظيم والليلية المباركة والعبد ساهٍ لاهٍ، لا يرفع لله يداً، ولا يذرف لله دمعة. إنها ليلة تساوي في ميزان الله عبادة أكثر من ثلاث وثمانين سنة، فما أعظمه من فضل لمن وفق لإحيائها!
منح وعطايا: العتق وإجابة الدعوات
في رمضان، يوزَّع العتق والرحمات توزيعاً يومياً، وتنزل إجابة الدعوات على قلوب الذاكرين المخبتين. فقد روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن لله تبارك وتعالى عتقاء في كل يوم وليلة – يعني في رمضان – وإن لكل مسلم في كل يوم وليلة دعوة مستجابة».
تخيل يا أخي المسلم أنك في كل يوم صيام، وفي كل ليلة قيام، معروض على قائمة العتقاء من النار! إنها فرصة العمر التي يجب أن يلح فيها العبد بالدعاء، خاصة وأن للصائم دعوة لا ترد، فاجمع بين ذل العبودية في الصيام، وبين ثقة الإجابة في الدعاء.
مضاعفة الأجور: قليل العمل وكثير الثواب
من رحمة الله بنا في هذا الشهر أن الأجور تضاعف بشكل مذهل، فنحصل على الكثير من الحسنات من القليل من العمل. ومن صور هذه المضاعفة:
- ربط رمضان بشوال: قال عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال، كان كصيام الدهر»؛ (رواه مسلم).
- العمرة في رمضان: قال صلى الله عليه وسلم: «عمرة في رمضان تعدل حجة معي»؛ (رواه ابن حبان في صحيحه). انظر إلى هذا الكرم الإلهي؛ عمرة في ساعات قليلة تعادل في الثواب حجة مع النبي صلى الله عليه وسلم!
وقد رُوي عنه عليه الصلاة والسلام في حديث ضعيف أنه قال: «من تقرَّب فيه بخصلة من خصال الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فيه فريضة كان كمن أدى سبعين فريضة فيما سواه». ورغم ضعف سنده، إلا أن معناه في الحث على المسارعة للخيرات يتفق مع روح الشهر الكريم.
باب الريان: التكريم الخاص للصائمين
ومن عِظم فضل رمضان وثوابه أن الله خص الصائمين بتكريم لا يشاركهم فيه أحد يوم القيامة، حيث جعل لهم باباً خاصاً في الجنة. ففي الحديث الصحيح عن سهل بن سعد رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة بابًا يقال له: الريان، يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلم يدخل منه أحد»؛ (رواه البخاري ومسلم).
هذا الاسم “الريان” مشتق من الري، وهو جزاء من جنس العمل، فكما ظمئ الصائمون في الدنيا لوجه الله، كان حقاً على الله أن يرويهم من حياض كرامته رياً لا يظمؤون بعده أبداً.
خاتمة: اغتنم قبل الفوات
يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. إن فضل رمضان واسع، وعطاؤه جزيل، والأيام تمضي سراعاً. فاجعل من هذا الشهر نقطة تحول في حياتك، وطهر قلبك، وجدد نيتك، والزم عتبات العبودية. فالسعيد من خرج من رمضان وقد غُفر له، والمحروم من أدرك رمضان ولم يغفر له.
نسأل الله أن يبلغنا رمضان، وأن يعيننا فيه على الصيام والقيام، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
بقلم: هيام محمود (بإعادة صياغة إبداعية)

اترك تعليقاً