إنّ أمتن عرى الإيمان، وأوثق روابط العقيدة، هي تلك التي تنعقد في القلوب لا لغرضٍ مادي، ولا لمأربٍ دنيوي، بل تكون خالصةً لوجه الله الكريم، مستمدةً نورها من مشكاة الطاعة والتقوى. إن المحبة في الله ليست مجرد شعور عابر أو كلمة تُقال باللسان، بل هي مقامٌ إيماني رفيع، ومنزلةٌ من منازل السالكين إلى مرضاة الله، تعكس عمق الصلة بالخالق سبحانه، وتُترجم صدق الانتماء لهذا الدين العظيم. حين يفيض القلب بمحبة الآخرين لمجرد أنهم عَبَدوا الله وحده، واتبعوا نهج نبيه ﷺ، فإن هذا القلب يكون قد تذوق حلاوة الإيمان الحقيقية، وتجاوز حدود الذات والمصالح الضيقة ليرتقي إلى آفاق العبودية الشاملة.
ماهية المحبة في الله: تجريد العاطفة لخالقها
تتجلى حقيقة المحبة في الله في أن يُحب المرء أخاه المسلم لذاته الإيمانية، ولما يحمله في صدره من توحيد، ولما يظهر على جوارحه من طاعة واستقامة. إنها عاطفةٌ “مُقدسة” تتسامى فوق الاعتبارات المادية الزائلة؛ فلا هي من أجل مالٍ يُرجى، ولا منصبٍ يُبتغى، ولا جاهٍ يُطلب، ولا حتى من أجل زمالةٍ مهنية أو مصالح تجارية عابرة. إن الباعث المحرك لهذه المحبة هو “ذات الله” عز وجل؛ فالمؤمن يرى في أخيه مرآةً لطاعة الله، فيحبه لالتزامه، ويقدره لإخلاصه، ويتقرب إليه لأن في ذلك مرضاةً للمولى سبحانه.
هذا النوع من الحب يمثل تجريداً كاملاً للقصد؛ إذ ينزع من القلوب حظوظ النفس وأهواءها. فالمحبة القائمة على المصلحة تنتهي بانتهاء المصلحة، والمحبة القائمة على الجمال أو الصيت تنطفئ بخبوهما، أما المحبة في الله فهي ثابتة ثبات الإيمان، ودائمة دوام الصلة بالله، لا تزيدها الدنيا إلا رسوخاً، ولا تنقصها صروف الدهر إلا جلاءً ووضوحاً.
ثمرات المحبة في ظلال العرش: قراءة في مشكاة النبوة
لقد رتب الشارع الحكيم على هذه المحبة أجوراً عظيمة تتجاوز حدود الخيال البشري، فهي من أجلّ الأعمال وأعظم القربات التي يتقرب بها العبد إلى ربه. وفي يوم القيامة، حين تشخص الأبصار وتدنو الشمس من الرؤوس ويشتد الكرب على الخلائق، يبرز صنفٌ من الناس خصهم الله بمكانةٍ فريدة ورعايةٍ خاصة.
وقد صور لنا النبي ﷺ هذا المشهد المهيب في الحديث الذي رواه عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما- حيث قال: «إنَّ للهِ جُلَسَاءَ يومَ القيامةِ عن يمينِ العرشِ وكِلْتَا يدَي اللهِ يمينٌ، على منابرٍ مِن نورٍ، وجوهُهُم مِن نورٍ، لَيسوا بأنبياءَ ولا شُهداءَ ولا صدِّيقينَ»، فتعجب الصحابة من هذا الوصف العظيم، وسألوا بلهفة: «يا رسولَ اللهِ! مَن هُم؟!»، فأجابهم النبي ﷺ موضحاً جوهر عملهم: «هُم المُتحابُّونَ بجلالِ اللهِ تباركَ وتعالى».
إن هذا الحديث يكشف عن علو منزلة هؤلاء القوم؛ فهم ليسوا من الأنبياء الذين نزل عليهم الوحي، ولا من الشهداء الذين سكبوا دماءهم في سبيل الله، ولا من الصديقين الذين بلغوا ذروة التصديق، ومع ذلك، فإن مقامهم على منابر من نور يجعل هؤلاء الأصفياء يغبطونهم على تلك المكانة. إن السر يكمن في “المحبة بجلال الله”، أي المحبة التي تعظّم الله في قلوب المحبين، وتجعل علاقتهم ببعضهم البعض فرعاً عن علاقتهم بالخالق سبحانه وتعالى.
ملامح المحبة الصادقة ودلائلها العملية
المحبة في الله ليست شعوراً سلبياً ينزوي في زوايا القلب، بل هي طاقةٌ دافعة تظهر آثارها في سلوك المسلم مع إخوانه. ويمكن تلخيص ملامح هذه المحبة في النقاط التالية:
- النصح الصادق: المحب في الله هو مرآة أخيه، لا يراه على خطأ إلا وقومه بلين وحكمة، ولا يراه على طاعة إلا وثبته وشجعه. فالنصيحة هنا دافعها الخوف على مصلحة الأخ في الآخرة، وهي أسمى مراتب الحرص.
- بذل الخير والإيثار: تقتضي هذه المحبة أن يسعى المسلم في نفع أخيه بكل ما أوتي من قوة، فيقدم له العون المادي والمعنوي، ويفرح لفرحه ويحزن لحزنه، دون انتظار مقابل.
- الاجتماع والافتراق على الطاعة: إن ميزان العلاقة هنا هو “مرضاة الله”؛ فالمتحابون يجتمعون لذكر الله، أو لطلب علم، أو للتعاون على بر، وإذا افترقوا، افترقوا وهم يحملون لبعضهم خالص الود والدعاء بظهر الغيب، مستمسكين بعهد الله.
- سلامة الصدر: تخلو هذه المحبة من أدران الغل والحسد والتنافس المذموم على حطام الدنيا، بل يسودها الصفاء والتماس الأعذار.
شمولية المحبة الإيمانية: من الدائرة الخاصة إلى المجتمع الكبير
إن مفهوم المحبة في الله لا يقتصر على الصداقات البعيدة فحسب، بل يجب أن يمتد ليشمل كافة الدوائر الاجتماعية التي يتقلب فيها المسلم. فالمسلم يطالب بأن يجعل علاقته بأقرب الناس إليه محكومةً بهذا المبدأ الإلهي:
1. الوالدان والأرحام: حب الوالدين والأقارب لا ينبغي أن يكون فطرياً فحسب، بل يجب أن يُصبغ بصبغة الإيمان. فنحن نحبهم لأن الله أمر ببرهم، ولأنهم مسلمون يشاركوننا وحدة العقيدة، وبذلك نؤجر على مشاعرنا نحوهم أجرين: أجر صلة الرحم وأجر المحبة في الله.
2. الزوجة والأولاد: عندما يحب الرجل زوجته لأنها مؤمنة تعينه على دينه، ويحب أبناءه لأنهم ثمرة تربية إسلامية وعباد لله، تتحول هذه العاطفة الأسرية إلى عبادةٍ كبرى. وهنا يبرز دور النصيحة والدلالة على الخير داخل البيت المسلم كأحد أهم تجليات المحبة في الله.
3. جيران المسجد والمجتمع: تمتد هذه المحبة لتشمل جيران السكن، ورفقاء المسجد، وعموم المسلمين، مما يساهم في بناء مجتمع متماسك تسوده الرحمة ويشد بعضه بعضاً كالبنيان المرصوص.
البغض في الله: الوجه الآخر للصدق الإيماني
لا يكتمل مفهوم المحبة في الله إلا بضدها، وهو “البغض في الله”. والبغض هنا ليس كراهيةً شخصية أو نابعة من حقد، بل هو موقفٌ إيماني تجاه المعصية والشر والمنكر. فالمؤمن الذي يحب الله لا بد أن يكره ما يغضب الله، فيبغض المعاصي وأفعال الفجور، ويتحفظ تجاه من يصرون على محاربة قيم الدين ونشر الفساد.
ومع ذلك، فإن هذا البغض موجهٌ للفعل والضلال في المقام الأول، ويدفع المؤمن إلى مضاعفة الجهد في النصح والإرشاد؛ فالمحب في الله يتألم لرؤية المسلم يقع في المعصية، ويجتهد في انتشاله منها، مما يؤكد أن البغض في الله هو في جوهره حرصٌ على طهارة المجتمع وصلاح أفراده.
تأملات الإمام الشوكاني: ندرة “الكبريت الأحمر” في واقع الناس
لقد لفت الإمام الحافظ الشوكاني رحمه الله الأنظار إلى دقة هذا المفهوم وعمق غيابه في واقع الكثيرين. يحكي رحمه الله عن ليلةٍ قضاها يتقلب على فراشه، متفكراً في الحديث النبوي العظيم: «إن المتحابين في الله على منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء». كان تساؤله يدور حول سر هذا الفضل العظيم: كيف يبلغ المتحابون هذه المنزلة التي يتطلع إليها حتى الأنبياء والشهداء؟
وبعد تفكرٍ عميق، وصل الشوكاني إلى استنتاجٍ مذهل، وهو أن المحبة الخالصة لوجه الله، المجردة من كل غرض، هي عملةٌ نادرة جداً. وجد أن أغلب المحبات السائدة بين الخلق مشوبة بالأغراض؛ فالزوج قد يحب زوجته لجمالها أو خدمتها، والزوجة تحب زوجها لماله أو حمايته، والآباء قد يحبون أبناءهم لأنهم امتداد لذكرهم أو عونٌ لهم في كبرهم. بل حتى حب الناس للأمراء والتجار والمسؤولين غالباً ما يكون مدفوعاً بالهيبة أو الطمع أو الإعجاب بصفات عرضية كالجمال أو الصوت أو المكانة.
خلص الشوكاني إلى أن المحبة التي تكون “في الله ولله” وحده، بحيث لو تجرد المحبوب من ماله وجاهه وجماله ولم يبقَ له إلا إيمانه لبقيت المحبة كما هي، هي محبةٌ “أندر من الكبريت الأحمر” (وهو مثل يُضرب للشيء الذي يعزّ وجوده جداً). ومن هنا استحق أصحابها تلك المنابر النورانية؛ لأنهم حققوا إخلاصاً تعجز عنه الكثير من النفوس، واختاروا أن تكون قلوبهم لله وبالله وفي الله.
الخاتمة: دعوة لتصحيح النوايا
إن تأملنا في معنى المحبة في الله يدعونا جميعاً إلى مراجعة حساباتنا القلبية وتفتيش ضمائرنا. هل علاقاتنا مع الآخرين قائمة على موازين السماء أم موازين الأرض؟ هل نحب أخانا لأنه “مؤمن” أم لأنه “نافع” لنا؟ إن الطريق إلى منابر النور يبدأ بصدق النية، وبأن نجعل حبنا وبغضنا تابعاً لمرضاة الله عز وجل.
ليكن هدفنا هو الارتقاء بمشاعرنا لتكون ربانية الخالصة، فنحب الوالدين والأبناء والأصدقاء من منظور إيماني، ونبذل لهم النصح والخير طمعاً في ظل عرش الرحمن. فالمحبة في الله هي جنة الدنيا التي تُوصل إلى جنة الآخرة، وهي الرباط الذي لا ينقطع حين تنقطع كل الأسباب، كما قال تعالى: {الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ}. نسأل الله أن يجعلنا من المتحابين فيه، والمجتمعين على طاعته، والمظلين بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.

اترك تعليقاً