هل يدرك الطريقُ وقع خطى العائدين حين يمتزج فيها يقين الشوق بريبة المجهول؟ في جنوب لبنان، لم تكن شمس الجمعة إعلاناً لانتصار مدوٍ بقدر ما كانت ضوءاً خافتاً يتسلل عبر نوافذ السيارات الحذرة. لم تحمل الطرقات ملامح "العودة الكبرى" التي ألفها اللبنانيون في نهايات الحروب السابقة، بل ساد صمتٌ بليغ، وحركةٌ تترقب انفراج الغمة أو تجددها.
سكونٌ يسبق اليقين
بدت الشوارع المؤدية إلى القرى الجنوبية هادئة على غير عادة، وكأن الناس يختبرون نبض الأرض قبل أن يطأوها بثقلهم الكامل. هذه العودة المشروطة بهدنة لا تزال في طور المخاض، جعلت الكثيرين يفضلون الزيارات الخاطفة لتفقد ما تبقى من الحجر، قبل اتخاذ قرار الاستقرار النهائي.
تجلت ملامح هذا المشهد في نقاط محورية:
- هدنة مؤقتة: إعلان وقف إطلاق النار لمدة 10 أيام وضع العائدين في حالة من التريث.
- حركة محدودة: غياب الزحام الخانق المعتاد في نهايات الحروب، واستبداله برحلات استكشافية.
- قلق النزوح المتكرر: تفضيل بعض العائلات البقاء في أماكن النزوح ومراقبة التطورات عن بُعد.
حكايات على قارعة الطريق
على الطريق الساحلي، كانت السيارات تسير ببطء، تحمل فوق أسطحها أمتعةً قليلة وقلوباً مثقلة بالذكريات. تروي "أم علي" رحلتها التي بدأت منذ الصباح الباكر من الدامور، واصفةً غياب الـ 45 يوماً بأنه اقتلاع من الجذور. بالنسبة لها، لا تمثل العودة مجرد دخول للمنزل، بل هي استعادة لإيقاع الحياة الذي انكسر فجأة، وبحث عن وجوه الجيران وتفاصيل الصباحات المفقودة.
وفي صيدا، يقف "حسين" القادم من صور، واصفاً المسافات بأنها لا تُقاس بالكيلومترات، بل بحجم التحديات. يرى في زحمة السير عند مداخل المدن اختباراً للصبر، مؤكداً أن الإصرار على العودة أقوى من الجسور المقصوفة والطرق الوعرة. بالنسبة إليه، الانتماء للأرض يشبه شوق المغترب لأبنائه؛ حاجة فطرية لا تقبل المساومة.
واقع الخدمات وهشاشة الاستقرار
في النبطية، يبرز صوت "حسن فخر الدين" كمرآة للواقع الميداني الصعب. فالحذر هنا ليس عاطفياً فحسب، بل تفرضه ضرورات العيش:
- انقطاع الاتصالات: صعوبة بالغة في التواصل مع الأهل بسبب تعطل شبكات الإنترنت والهاتف.
- أزمة المرافق: غياب شبه كامل للتيار الكهربائي وشح في موارد المياه الصالحة للاستخدام.
- الهدنة كفترة اختبار: التعامل مع الهدنة كفرصة للمراقبة وليس كقرار نهائي بالاستقرار.
أملٌ في عيون الصغار
بينما ينشغل الكبار بالحسابات السياسية والميدانية، تطل الطفلة "حنان شكر" بضحكة بريئة تختصر كل المعاني. بالنسبة لحنان، العودة هي الركض في الحارات واللعب مع الأصدقاء واستعادة عالمها الصغير الذي توقف فجأة. في كلماتها البسيطة، نجد الحقيقة التي تغفل عنها التحليلات؛ أن الحرب تسرق الوقت، والعودة هي محاولة لاسترداد ما تبقى من عمر الطفولة.
وفي مراكز النزوح بالبقاع وزحلة، كانت "دنيا عودة" تحزم حقائبها بإصرار من استعاد روحه. ترى أن الغرفة الصغيرة في قريتها تمنحها أماناً لا توفره القصور بعيداً عن أرضها. لقد كان النزوح بالنسبة لها رحلة اغتراب قسري استمرت 46 يوماً، عُدّت بالثواني والدقائق.
خاتمة: العودة كفعل إيمان
إن ما يشهده جنوب لبنان اليوم ليس مجرد حركة سير على الخارطة، بل هو فعل إيمان عميق بالبقاء. هذه العودة الحذرة، التي تتقدم بخطى وئيدة، تعكس وعي الإنسان اللبناني بحجم المخاطر، وفي الوقت ذاته، تعلن تمسكه بهويته وتفاصيل أرضه. هي لحظة معلقة بين أمل يرفض الانكسار وواقع لم تكتمل ملامحه بعد، بانتظار أن تنجلي الغيمة ويستقر النبض في جسد القرى المنهكة.
المصدر: الجزيرة



اترك تعليقاً