مقدمة: في رحاب الهداية الأقوم
تنبثق الدعوة المعاصرة إلى استحضار «أقومية القرآن الكريم» كأذان جديد يستنهض الأمة لاستعادة مركزية الوحي في صياغة العقل المسلم وبناء صروح الحياة. إنها ليست مجرد نداء وجداني، بل هي مشروع يسعى لجعل القرآن الكريم سبحانه وتعالى المرجع المهيمن والمنطلق الحاكم في مقاربة قضايا الإنسان والمجتمع والمعرفة. تتجاوز هذه الدعوة حصر الكتاب العزيز في دوائر الوعظ الفردي، لترتقي به إلى كونه الأصل الناظم الذي تنضبط به مختلف المسارات الحضارية، استرشاداً بنور الله عز وجل.
إن هذا النداء، بما يحمله من طموح نهضوي واصطلاح حديث، يستوجب وقفة نقدية فاحصة تضعه في سياقه التاريخي، وتسبر أغوار جدته المنهجية، ومدى اتصاله بتراثنا التليد وفكرنا المعاصر، وصولاً إلى الإجابة عن سؤال البديل الحضاري المنشود.
مفهوم الأقومية: دلالات النص وأبعاد المنهج
يستند مفهوم «أقومية القرآن» إلى الركيزة الربانية العظمى في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9]. ويُراد به جعل القرآن الكريم المعيار الأسمى في تشييد الأفكار وتقويمها؛ فلا يغدو التعامل معه مقتصرًا على التبرك أو الاستشهاد الجزئي ضمن نماذج معرفية مستوردة، بل يصبح هو المنطلق في تشكيل التصورات ومنهج التفكير ذاته.
وتتجلى ملامح هذا المنهج في النقاط التالية:
- التحكيم المعرفي: عرض كافة المعارف والتصورات والممارسات البشرية على هدايات الوحي وقيمه.
- الاستمداد القيمي: استنباط ما هو «أقوم» لبناء الإنسان والمجتمع من معين القرآن الصافي.
- التوجيه لا الإلغاء: لا تعني الأقومية رفض المعارف البشرية النافعة، بل إعادة ترتيب موقعها ليكون الوحي هو الموجه والمعيار الحاكم في عملية البناء والتقويم.
الأقومية في ميزان التراث: أصالة المبدأ وتجدد الصياغة
لا يمكن بحال فصل التراث الإسلامي عن مشكاة القرآن الكريم؛ فالفقه وأصوله، وعلوم الحديث، والتفسير، والمقاصد، كلها ثمرات يانعة في بستان الوحي. فأصول الفقه لم تكن إلا محاولة لضبط الانتقال من النص إلى الحكم، ومن الكلي إلى الجزئي، ومن الثابت إلى المتغير. لذا، فإن القول بضرورة «إعمال القرآن» ليس بدعاً من القول، بل هو امتداد لأصالة ضاربة في أعماق علومنا الإسلامية.
بيد أن السؤال الجوهري يظل قائماً: ما الذي يضيفه مشروع الأقومية؟ إن كانت الغاية هي استعادة مركزية القرآن، فالأمر أصيل في تراثنا. أما إن كان المقصد هو إعادة صياغة علاقة المسلم بالقرآن في ضوء أسئلة العصر، وتطوير أدوات لاستخراج رؤية قرآنية في مجالات لم تتبلور في التراث بنفس الصورة المعاصرة، فهنا تكمن الخصوصية المنهجية للمشروع.
تقاطعات فكرية وسياقات إصلاحية
تتقاطع «أقومية القرآن» مع مفاهيم عديدة كمرجعية الوحي، والتأصيل القرآني، والمركزية المعرفية. كما تلتقي في غاياتها الكبرى مع مفهوم «الحاكمية» عند سيد قطب، والتصور الشامل للتوحيد عند إسماعيل راجي الفاروقي رحمهما الله، في تأكيدهما على عدم انفصال الإيمان عن توجيه الفكر والحياة. ومع ذلك، تظل الأقومية صياغة معاصرة تحاول النأي بنفسها عن الإشكالات التاريخية لبعض تلك المفاهيم، لتركز على الدلالة المباشرة لقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.
ويمكن قراءة الأقومية ضمن سياق المدارس الإصلاحية كالتالي:
- التيار التربوي: ركز على بناء الإنسان.
- تيار أسلمة المعرفة: ركز على نقد الأسس الفلسفية للعلوم الحديثة.
- الاتجاه الوسطي: سعى لاستعادة التوازن في الرؤية.
- الأقومية: تطرح القرآن كمنطلق أولي لبناء التصورات وتقويم الممارسات، دون أن تلغي المداخل السابقة، بل تسعى لتأطيرها بمرجعية الوحي.
من النقد إلى البناء: تحدي البديل الحضاري
إن الحضارة الإسلامية لم تكن نتاجاً لاختزال مخل، بل تشكلت من تفاعل حي بين الوحي والعقل والخبرة التاريخية. وهنا يبرز التحدي الأكبر أمام مشروع الأقومية: سؤال البديل. فالنقد المطلق للمنجز الحضاري الغربي لا يكفي لتشييد صرح جديد.
إن قوة أي مشروع نهضوي تُقاس بقدرته على:
- التحول من النقد إلى البناء، ومن الشعارات إلى النماذج التطبيقية.
- التمييز بين مجالات الاعتقاد والقيم (التي لا تقبل المساومة) وبين مجالات الخبرة الإنسانية والمصالح الدنيوية (التي هي ضالة المؤمن).
- مراعاة «السياقية»؛ أي تنزيل المبادئ الثابتة على الواقع المتغير مع مراعاة الزمان والمكان والمآلات.
خاتمة: القرآن بوصلة الوجود
إن «الأقومية القرآنية» في جوهرها هي دعوة للعودة إلى الفطرة المعرفية، حيث يكون كلام الله عز وجل هو النور الذي نبصر به حقائق الوجود. إن نجاح هذا المشروع مرهون بقدرته على تقديم منهج منضبط ينتقل من «الدعوة إلى المركزية» إلى «إنتاج المعرفة والمؤسسة»، مع إبقاء باب الاجتهاد والتعدد مفتوحاً. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يفتح لنا في كتابه بصائر الهدى، وأن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.



اترك تعليقاً