مقدمة: الوعي في مَهبِّ الاغتراب الوجودي
في عصرٍ يتسم بالسيولةِ المفرطة والتسارعِ المذهل، يجدُ الإنسان المعاصر نفسه في حالةٍ من التشتت القيمي والضياع الروحي، وهو ما نطلق عليه ‘الاغتراب الوجودي’. إنَّ هذا الاغتراب ليس مجرد حالةٍ نفسية عابرة، بل هو تصدعٌ في بنية الوعي نتيجة انقطاعِ الصلة بمصدر الجمال والجلال. ومن هنا تبرز الحاجة إلى ما نسميه ‘أكسيولوجيا الفيض المستدام’؛ وهي منظومةٌ قيمية إسلامية تسعى لترميم هذا الوعي عبر آليةٍ مزدوجة تجمع بين ‘هارمونيكا الأذكار’ و’ديناميكا العمل الصالح’.
إنَّ الطمأنينة الوجودية في المنظور الإسلامي ليست مجرد استرخاءٍ بارد، بل هي حالةٌ من الامتلاء الروحي الذي يجعل الإنسان متصالحاً مع خالقه، ومع نفسه، ومع كونه. يقول الله عز وجل في محكم تنزيله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28]. هذه الآية ليست مجرد إخبار، بل هي قانونٌ وجودي يربط بين الذكر وبين استقرار الكيان الإنساني.
أولاً: مفهوم الفيض المستدام في الرؤية الإسلامية
الفيض في اللغة هو الامتلاء والزيادة، وفي الأكسيولوجيا الإسلامية (علم القيم)، يشير ‘الفيض المستدام’ إلى ذلك النور الإلهي والمدد الروحاني الذي لا ينقطع عن القلب المتصل بخالقه. إنَّ استدامة هذا الفيض تعتمد على التوازن بين الداخل (الذكر) والخارج (العمل). فالذكر يمثل ‘القوة الاستيعابية’ التي تستقبل الأنوار، والعمل الصالح يمثل ‘القوة التنفيذية’ التي تترجم هذه الأنوار إلى واقعٍ ملموس.
وعندما يتحدث العلماء عن ‘ترميم الوعي’، فإنهم يقصدون إعادة بناء المفاهيم المشوهة عن الذات والكون. إنَّ الوعي المشوه يرى العالم مادةً صماء، بينما الوعي المرمَّم بالفيض الإلهي يرى العالم ‘آياتٍ’ ناطقة بقدرة الله. (سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ) [فصلت: 53].
ثانياً: هارمونيكا الأذكار.. رنين الروح وترميم الشتات
لماذا نستخدم مصطلح ‘الهارمونيكا’؟ لأنَّ الأذكار في الإسلام ليست مجرد كلماتٍ تُردد باللسان، بل هي ذبذباتٌ روحية تُحدث تناغماً (Harmonization) بين إيقاع القلب وإيقاع الكون. كل ‘تسبيحة’ هي إعادة ضبط لمصنع القيم في النفس، وكل ‘تحميدة’ هي اعتراف بالجمال الإلهي الساري في الوجود.
تتجلى آلية الذكر في ترميم الوعي من خلال عدة نقاط:
- التركيز وحصر الذهن: الذكر يخرج الإنسان من تشتت ‘الخواطر الرديئة’ إلى وحدة ‘المذكور’، مما يمنح الوعي مركزيةً صلبة.
- التخلية والتحلية: الذكر يُخلي القلب من أوهام القلق (التخلية) ويملؤه ببرد اليقين (التحلية).
- استحضار المعية: كما في الحديث القدسي الصحيح: (أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي). هذه المعية هي الحصن الوجودي الذي يمنع انهيار الذات أمام الأزمات.
ثالثاً: العمل الصالح كبناءٍ وتشييد للطمأنينة
لا يمكن للذكر أن يحقق استدامته إذا ظل حبيس الصدر؛ فالإسلام يرفض الروحانية المنعزلة. ‘العمل الصالح’ هو المظهر الحركي للذكر. إنَّ هارمونيكا الأذكار تجد كمالها في ‘تجسير’ الفجوة بين الإيمان والواقع. العمل الصالح هو الذي يمنح الطمأنينة صبغةً ‘وجودية’ أي أنها واقعٌ نعيشه لا مجرد شعورٍ نتخيله.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ أَوْ بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةً، فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ). انظر كيف ربط الحديث بين قمة الهرم القولي (الذكر) وقاعدة الهرم العملي (إماطة الأذى). هذا هو الفيض المستدام؛ أن يتحول نور ‘لا إله إلا الله’ في قلبك إلى طاقةٍ تزيل الأذى عن طريق الناس.
رابعاً: آلية ترميم الوعي الإنساني
الوعي الإنساني يتعرض للخدش والكسر بسبب المعاصي، الضغوط المادية، والتعلق بغير الله. عملية الترميم تتم عبر ثلاث مراحل:
1. الوعي بالتقصير (التوبة): وهي نقطة الانطلاق، حيث يدرك الإنسان الفجوة بين ما هو كائن وما يجب أن يكون.
2. الغسل الروحي (الاستغفار): (وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا) [النساء: 110]. الاستغفار هنا هو مادة الترميم التي تملأ ثقوب الروح.
3. البناء التراكمي (المداومة): الفيض المستدام يتطلب ديمومة، ففي الحديث: (أَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ). المداومة على الذكر والعمل الصالح تبني جداراً عازلاً ضد تقلبات النفس الأمارة بالسوء.
خامساً: تشييد الطمأنينة الوجودية
الطمأنينة الوجودية هي الحالة التي يشعر فيها الإنسان أن وجوده ليس عبثاً، وأن حياته محاطةٌ بعناية إلهية فائقة. هذه الطمأنينة تُشيّد على أربعة أركان:
- الرضا بالقضاء: وهو الثمرة الكبرى للذكر، حيث يوقن القلب أن اختيار الله له خيرٌ من اختياره لنفسه.
- الأمن النفسي: الذي ينبع من قوله تعالى: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ) [الأنعام: 82].
- التفاؤل الرسالي: وهو أن يعمل الإنسان الصالحات وهو يرجو ما عند الله، مما يجعله محصناً ضد اليأس والقنوط.
- السكينة وقت المحن: وهي حالة تنزل من الله خصيصاً لتثبيت الأفئدة. (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ) [الفتح: 4].
سادساً: نحو تطبيق عملي لمنظومة الفيض المستدام
لكي ننتقل من التنظير إلى التطبيق، يجب على المسلم أن يضع لنفسه ‘برنامجاً هارمونياً’ يجمع بين الذكر والعمل:
أوراد اليقظة الروحية: لا تجعل يومك يخلو من ‘الاستغفار، التسبيح، والصلاة على النبي’، فهي مفاتيح تشغيل محرك الوعي.
تسييل القيم: ابحث عن ثغرة في مجتمعك تسدها بعملٍ صالح؛ صدقةٍ خفية، تعليمِ جاهل، أو جبرِ خاطر. هذا هو ‘تسييل’ الذكر إلى عمل.
المراقبة: استشعر أن الله يراك في كل حركة وسكنة، وهذا هو أعلى مراتب الوعي (الإحسان).
خاتمة: الاتصال الدائم كطوق نجاة
إنَّ أكسيولوجيا ‘الفيض المستدام’ ليست ترفاً فكرياً، بل هي ضرورة حياتية في عالمٍ يموج بالاضطراب. إنَّ الجمع بين هارمونيكا الأذكار وجدية العمل الصالح هو الكفيل بترميم وعينا المهشم وتشييد صرح طمأنينتنا الوجودية. إننا حين نذكر الله، فنحن لا نضيف لله شيئاً، بل نحن الذين نكتمل بفيضه، وحين نعمل الصالحات، فنحن نضع لبناتٍ في جدار أمننا النفسي والأخروي.
لنجعل شعارنا الدائم هو قوله صلى الله عليه وسلم: (احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ). فالحفظ الإلهي هو ذروة الفيض، والوعي بهذا الحفظ هو قمة الطمأنينة الوجودية التي ننشدها جميعاً. نسأل الله أن يفيض على قلوبنا من نور ذكره، وأن يوفقنا لعملٍ صالحٍ يرمم وعينا ويشرح صدورنا.

اترك تعليقاً