مقدمة: الدعاء صلة العبد بخالقه
يُعد الدعاء في الإسلام من أجلّ العبادات وأعظم القربات، فهو سر الصلة بين العبد وربه، ويمتاز بأثر نافذ وقبول سريع إذا خرج من قلب صادق ونفس منكسرة. ومن أعظم الدعوات التي جعل الله لها منزلة خاصة هي دعوة الوالد لولده أو عليه، فهي دعوة تنبع من عاطفة جياشة، سواء كانت رضا وشفقة، أو قهراً وغضباً، مما يجعلها أحرى بالإجابة وأقرب للتحقق.
أولاً: التحذير النبوي من دعوة الوالدين
لقد نبّه النبي ﷺ أمته إلى خطورة هذا الأمر، وأوضح أن دعاء الوالدين نافذ لا محالة، حيث قال ﷺ: «ثلاث دعوات مستجابات لا شك فيهن»، وذكر منها: «ودعوة الوالد لولده»، وفي رواية أخرى «على ولده».
- دلالة الحديث: أن كلمة الوالد مسموعة عند الله، سواء كانت بالرحمة أو بالعقوبة.
- النهي الصريح: من كمال رحمته ﷺ أنه نهانا عن الدعاء بالشر على النفس أو الولد أو المال، مخافة أن يصادف هذا الدعاء “ساعة إجابة”، فتتحول الكلمة الطائشة إلى قدر محتوم وبلاء دائم.
- ضياع التوفيق: أبٌ يدعو على ابنه بالفشل في ساعة غضب، فيبقى الابن متعثراً في كل شؤون حياته من علم وعمل وزواج.
- البلاء البدني: والد يكرر الدعاء على ابنه بالمرض أو الحادث، فلا تمضي مدة حتى يقع المحذور، ويتحول الغضب إلى ندم أبدي.
- الفواجع القدرية: أمٌّ يضيق صدرها بضجيج أبنائها فتدعو عليهم بالموت أو الحوادث، فتفجع بهم في لحظة لم تكن تتوقعها.
- الصبر والحلم: التربية الحقيقية تُبنى على سعة الصدر لا على اللعن والشتم.
- استشعار الأمانة: هؤلاء الأولاد أمانة سيُسأل عنها الوالدان، واللسان هو أحد أدوات حفظ هذه الأمانة.
- تحري الخير: اجعل لسانك رطباً بالدعاء لأبنائك بالهداية، والتوفيق، والحفظ، والسعادة؛ فإن الدعاء سهم متى خرج لم يعد.
ثانياً: واقع أليم واستهانة بالكلمات
للأسف، نجد في واقعنا المعاصر تساهلاً مخيفاً في هذا الباب، حيث تجري دعوات السوء على ألسنة بعض الآباء والأمهات في لحظات الغضب دون تقدير لعواقبها:
ثالثاً: المخرج التربوي والشرعي
إن الحكمة والدين يفرضان مساراً واضحاً لكل من الأبناء والوالدين:
1. واجب الأبناء: على الولد العاقل أن يحذر من إثارة سخط والديه، ليس خوفاً فقط بل براً وطاعة، فبر الوالدين هو الحصن الذي يحمي الأبناء من سهام الدعوات المكسورة.
2. مسؤولية الوالدين: يجب أن يكون لسان الوالدين أداة للإصلاح لا للتدمير. فالدعاء على الأبناء لا يغير سلوكهم بل يكسر نفوسهم ويفتح عليهم أبواب الشقاء.
3. بديل الرحمة: استبدل الدعاء “عليهم” بالدعاء “لهم”؛ فكم من ولد عاقٍّ هداه الله بدعوة صادقة من أمه في جوف الليل، وكم من تائه أرشده الله بدمعة أب منكسر.
رابعاً: قواعد في التربية بالدعاء
خاتمة:
اللهم احفظ لآبائنا وأمهاتنا ألسنتهم من الزلل، واجعل دعاءهم لنا بركة وتوفيقاً، واهدِ الأبناء لبر الوالدين، واجعل بيوتنا عامرة بالرحمة والسكينة، بعيدة عن الندامة والحسرة، إنك سميع مجيب.

اترك تعليقاً