# بلوغ رمضان: أعظم منحة ربانية وأسمى أماني العابدين في شعبان 1447هـ
مع إشراقة شمس شهر شعبان لعام 1447هـ، تهبُّ على قلوب المؤمنين نسماتٌ تحمل في طياتها مزيجاً من الشوق والوجل، وتتجدد في النفوس تلك اللهفة القديمة المتجددة لاستقبال سيد الشهور. إن الوقوف على عتبات شعبان ليس مجرد محطة زمنية في تقويم الأيام، بل هو وقفة تأمل عميقة في فلسفة العمر، وإدراك حقيقي لما يعنيه أن يُمهل الله العبد ليدرك موسماً جديداً من مواسم الطاعة.
حقيقة العمر وإدراك القيمة
كلما تقدم بالإنسان العمر، وتوالت عليه السنون، يدرك بعين البصيرة لا بعين البصر فحسب، أن بلوغ رمضان ليس حدثاً عابراً يمر في شريط الذكريات، ولا هو قدرٌ لازمٌ ومضمون لكل ذي روح. بل إن المؤمن الحق هو من يستشعر بقلبه أن مدَّ الله في عمره حتى يدرك رمضان هو “أعظم منة” يمكن أن ينالها في رحلته الدنيوية، وهي “أكبر منحة” ربانية تفوق في ميزان الحقيقة الدنيا وما فيها من حطام زائل وزخرف فانٍ.
إن إدراك رمضان يعني فرصة جديدة لغسل الأوزار، وبداية صفحة بيضاء مع الخالق، وهو هبة إلهية لا تُقدر بثمن، لأنها تعني ببساطة: أن الله قد وهبك “رمضاناً آخر” في حياتك، لتستدرك ما فات، وتصلح ما فسد، وتتقرب إلى مولاك بما يحب ويرضى.
عبرة الراحلين وقلق المحبين
ومع هذا العلم اليقيني بفضل الشهر، ينمو في قلب المؤمن وعيٌ آخر، وعيٌ مستمد من الواقع المشهود والسنن الإلهية في الخلق. فقد رأى المؤمن بعينيه كيف تخطفت المنية من حوله أحبةً وأصدقاء، وجيراناً وخلاناً، كانوا بالأمس يشاركونه آمال البلوغ، لكن الموت كان أسبق إليهم من هلال الشهر الكريم.
هذا المشهد المتكرر يزرع في النفس حقيقة كبرى: أنه ليس ثمة ضمانٌ معهود بالإدراك، ولا يوجد وعدٌ مقطوعٌ للبشر ببلوغ الغد، فضلاً عن بلوغ شهر تفصلنا عنه أيام وليالٍ. ومن هنا، ينبت القلق المحمود في سويداء القلب، ويزداد الخوف من أن يقصر العمر عن بلوغ تلك الغاية العظمى، فيحرم العبد من فيض الرحمات ونفحات العتق من النيران.
شعبان: جسر الدعاء والرجاء
في رحاب شعبان 1447هـ، يتحول هذا الخوف والقلق إلى طاقة إيمانية دافعة، فيقبل العبد على ربه إقبال المفتقر الذليل، يدعوه دعاء المرتجي الخائف، ذلك الدعاء الذي يجمع بين الرغبة فيما عند الله والرهبة من فوات الفرصة. في كل وقت، وعند كل موطن من مواطن الإجابة، وفي سجدات السحر، وبين الأذان والإقامة، لا يلهج لسان المؤمن إلا بهذا النداء الخالد:
> “اللهم بلِّغنا رمضان وبارك لنا فيه، اللهم بلِّغنا رمضان وبارك لنا فيه، اللهم بلِّغنا رمضان وبارك لنا فيه!”
هذا التكرار الثلاثي ليس مجرد كلمات تُقال، بل هو استغاثة غريق يرجو النجاة، وإلحاح محب يرجو الوصال. إن المؤمن في شعبان يعيش حالة من الاستنفار الروحي، محاولاً تهيئة قلبه ليكون وعاءً صالحاً لاستقبال أنوار رمضان، مدركاً أن التوفيق للبلوغ هو محض فضل من الله.
لماذا نلح في طلب بلوغ رمضان؟
قد يتساءل البعض عن سر هذا الإلحاح العظيم في طلب بلوغ الشهر، والإجابة تكمن في عدة نقاط جوهرية:
1. مضاعفة الأجور: يدرك المؤمن أن العمل في رمضان ليس كغيره، ففيه ليلة خير من ألف شهر، وبلوغها يعني إضافة أعمار إلى عمره في ميزان الحسنات.
2. فرصة التغيير الجذري: رمضان هو المحطة السنوية لإعادة صياغة النفس وتعديل المسار، وبلوغه يعني فرصة ذهبية للتخلص من العادات السيئة والارتقاء في مدارج السالكين.
3. الخوف من الحرمان: إن الحرمان الحقيقي ليس فقدان المتاع، بل هو أن يأتي رمضان ويغادر والعبد لم يُغفر له، أو الأسوأ من ذلك، ألا يدركه العبد أصلاً وهو في أمس الحاجة لمغفرة ربه.
حال المؤمن بين شعبان ورمضان
في هذه الأيام المباركة من عام 1447هـ، ينقسم الناس في تعاملهم مع الوقت، أما الصنف الذي وصفه الكاتب عبدالله الغامدي، فهو الصنف الذي يعيش “قلق البلوغ”. هذا القلق ليس قلقاً مرضياً يورث اليأس، بل هو قلق إيجابي يثمر عملاً وصِدقاً.
- الإقبال على الله: يزداد المؤمن قرباً من الله في شعبان، ليكون أهلاً لأن يُبلغه رمضان.
- تجديد التوبة: يبدأ في تنقية قلبه من الشوائب والمشاحنات، ليدخل رمضان بقلب سليم.
- كثرة الدعاء: يصبح لسان حاله ومقاله هو طلب البلوغ والبركة.
الخاتمة: دعوة للتأمل
يا باغي الخير، إن بقاءك إلى هذه اللحظة، وتنفُّسك في رحاب شهر شعبان 1447هـ، هو إشارة إلهية لعلّك تتدارك ما فاتك. لا تجعل أيام شعبان تضيع في غمرة التسويف، بل اجعل خوفك من عدم البلوغ دافعاً لك لتكون الآن خيراً مما كنت عليه بالأمس.
تذكر دائماً أن الذين تحت التراب الآن، كان لديهم في مثل هذا الوقت من العام الماضي آمالٌ عريضة ببلوغ رمضان، لكن القدر سبقهم. فاجعل دعاءك صادقاً، وقلبك حاضراً، وألحَّ على مولاك:
“اللهم بلِّغنا رمضان وبارك لنا فيه، اللهم بلِّغنا رمضان وبارك لنا فيه، اللهم بلِّغنا رمضان وبارك لنا فيه!”
نسأل الله أن يكتب لنا ولكم تمام البلوغ، وحسن العمل، والقبول في الدنيا والآخرة، وأن يجعلنا ممن يدركون رمضان في أحسن حال، ويخرجون منه بمغفرة ورضوان.
—
*بقلم: مقتبس عن أفكار الكاتب عبدالله الغامدي – بتصرف وتوسع*

اترك تعليقاً