أنطولوجيا انكسار النسق: فيزياء التحول الكوني وأشراط الساعة الكبرى نحو الخلود

مقدمة: الثبات الموهوم والتحول الحتمي

يعيش الإنسان المعاصر في طمأنينة خادعة فرضتها رتابة القوانين الفيزيائية التي تحكم الكون، وهو ما نطلق عليه في دراستنا هذه «النسق». هذا النسق الذي يجعل الشمس تشرق كل يوم من مشرقها، والجزيئات تتحرك وفق قوانين منضبطة، ليس إلا إرادة إلهية مستمرة في الإمداد. يقول الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا ۚ وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ) [فاطر: 41]. إن الأنطولوجيا الإسلامية لا تنظر إلى الكون كآلة صماء تعمل بذاتها، بل ككيان مفتوح على إرادة الخالق، حيث يمثل «انكسار النسق» اللحظة الفارقة التي ينتقل فيها الوجود من طور الفناء والقيود المادية إلى طور البقاء والخلود.

أولاً: مفهوم «انكسار النسق» في الرؤية الإسلامية

إن «انكسار النسق» ليس مجرد فوضى كونية، بل هو إعادة صياغة للقوانين الحاكمة للمادة والزمان والمكان. في الفيزياء التقليدية، يُنظر إلى الكون كنظام مغلق، لكن في التصور الإسلامي، فإن الساعة هي اللحظة التي تبلغ فيها المادة ذروة اختبارها، لتبدأ عملية التحول الكبرى. هذا التحول يبدأ ببوادر وتغيرات هي ما اصطلح عليه بـ «أشراط الساعة». إنها ليست مجرد علامات تحذيرية، بل هي «خلخلة» في البنية التحتية للواقع المادي تمهيداً لعالم لا يخضع لقوانين التحلل والفساد.

يقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «بادروا بالأعمال ستاً: طلوع الشمس من مغربها، أو الدخان، أو الدجال، أو الدابة، أو خاصة أحدكم، أو أمر العامة» (رواه مسلم). هذه الست تمثل انكسارات حادة في النسق الكوني والاجتماعي والبيولوجي، حيث يتوقف الزمن المتاح للاختيار ويبدأ زمن الاضطرار.

ثانياً: فيزياء التحول في أشراط الساعة الكبرى

عندما نتأمل في أشراط الساعة الكبرى، نجدها تمثل ذروة «انكسار النسق» الفيزيائي. لنأخذ على سبيل المثال:

  • طلوع الشمس من مغربها: هو انكسار لعطالة الأرض الكبرى، وتحول في الزخم الزاوي للكوكب، وهو ما يشير إلى أن القوانين التي ظنها البشر أزلية هي في الحقيقة قوانين وظيفية تنتهي بانتهاء وظيفتها.
  • خروج الدابة: يمثل خرقاً للنسق البيولوجي المعتاد، حيث تنطق المادة الحيوية بلسان البيان، لتعلن نهاية عصر الغيب وبداية عصر الشهود المطلق. يقول تعالى: (وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِّنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لَا يُوقِنُونَ) [النمل: 82].
  • الدخان: حالة من الغبش الكوني التي تعزل الإنسان عن رؤية السماء المعتادة، وهي إشارة إلى تغير في الغلاف الجوي والتركيبة الكيميائية للبيئة التي احتضنت حياة الإنسان لآلاف السنين.

ثالثاً: المسيح الدجال والفتنة الأنطولوجية

يمثل خروج المسيح الدجال قمة «انكسار النسق» في البعد النفسي والمعرفي. هو ليس مجرد شخص، بل هو فتنة تتحدى إدراك الإنسان للواقع. قدرته على إحداث خوارق (مثل إنزال المطر وإحياء الموتى بإذن الله فتنةً) هي اختبار نهائي لقدرة المؤمن على الرؤية بنور الله لا بالظواهر المادية المنكسرة. إن الدجال يستغل «اهتزاز القوانين» ليوهم الناس بألوهيته، وهنا يأتي دور الإيمان بوصفه «المرساة» الوحيدة في بحر التحولات الكونية المتلاطم.

رابعاً: المخاض نحو الخلود.. لماذا القسوة في التحول؟

قد يتساءل البعض: لماذا تتسم أشراط الساعة والقيامة بهذا القدر من الشدة والتحول العنيف؟ إن الجواب يكمن في طبيعة «الولادة». فكما أن الجنين لا يخرج إلى سعة الدنيا إلا بمخاض مؤلم يضيق عليه عالم الأرحام، فإن البشرية لا تخرج من «رحم الدنيا» الضيق إلى «سعة الآخرة» الخالدة إلا عبر هذا المخاض الكوني.

إن «انكسار النسق» هو العملية الضرورية لتفتيت المادة الفانية وإعادة تركيبها في صورة «أجساد الخلود» التي لا تبلى ولا تمرض. يقول تعالى في وصف هذا الانفطار الكوني: (إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ * وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ * وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ) [الانشقاق: 1-4]. هذا «الإلقاء والتخلي» هو تفريغ للواقع القديم لاستقبال الحقيقة الكبرى.

خامساً: العبور نحو الأبدية.. ما وراء المادة

في نهاية المطاف، تقودنا أشراط الساعة إلى نقطة «التفرد» (Singularity) حيث يطوي الله الزمان والمكان كما نعرفهما. (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ) [الأنبياء: 104]. هنا ينكسر النسق تماماً ليحل محله «نسق الخلود». في الجنة، لا تخضع المادة للقوانين الحرارية (Entropy)، فلا ضوء الشمس يحرق، ولا الوقت ينفد، ولا الجمال يذبل.

إن إدراكنا لأشراط الساعة كـ «فيزياء تحول» يخرجنا من حالة الرعب المجرد إلى حالة «الاستعداد الواعي». إنها دعوة لتعليق القلب بالخالق الذي لا يتغير ولا يزول، بينما كل ما سواه خاضع للتبدل.

خاتمة: الاستعداد لليوم الذي لا ريب فيه

إن دراسة أنطولوجيا انكسار النسق تعلمنا أن الاستقرار الذي نعيشه اليوم هو استقرار «مؤقت» و«وظيفي». إن المؤمن الحق هو من يرى من خلال شقوق هذا النسق نور الآخرة. إن الفزع من أشراط الساعة ينبغي أن يتحول إلى قوة دافعة للعمل الصالح، فإذا كانت القوانين الكونية ستنكسر، فإن قانون العدل الإلهي والرحمة الربانية هو الثابت الوحيد.

اللهم اجعلنا ممن يثبتون عند انكسار الآفاق، ويرون وجهك الكريم في كل تحول ومآق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *