مقدمة: في رحاب المعرفة الإسلامية
إن مصطلح العلوم الإسلامية والتأصيل المعرفي يستشرف في آفاقه تلك المعارف السامقة التي نبتت في ظلال الحضارة الإسلامية، والتي لم تكن مجرد نتاج فكري عابر، بل كانت تجسيداً حياً للتفاعل بين الوحي المسطور والكون المنظور. لقد غطت هذه العلوم، بحسب التقسيم الخلدوني الرصين، نوعين من النشاط الفكري الإنساني: أولهما المعرفة العقلية الفلسفية التي “يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وبراهينها ووجوه تعلمها”، وثانيهما المعرفة النقلية “المستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي” سبحانه وتعالى.
لقد بلغت هذه العلوم ذروة سنامها في العصر العباسي، الذي يمثل الفترة التي اكتمل فيها تشكل الفكر الإسلامي ونضجت مناهجه، حتى وُصف بحق بأنه عصر الثورة العلمية الكبرى. بيد أن هذا الازدهار يضعنا أمام إشكالية منهجية في تفسير نشأته، ومآلاته، وسبل استئنافه في واقعنا المعاصر.
نقد السرديات التقليدية وإعادة قراءة التاريخ
ثمة مغالطات تاريخية شاعت في السرد الاستشراقي التقليدي، تزعم أن نهضة العلوم الإسلامية كانت مجرد صدى لحركة الترجمة عن اليونان، وهو زعم تدحضه الوقائع؛ إذ أثبتت الدراسات الرصينة أن العمران الإسلامي ونمطه الحضاري الفريد كان هو المحرك الأساسي لطلب العلم منذ العصر الأموي، بدافع الحاجة العملية والضرورة الحضارية.
ومن نافلة القول إن الادعاء القائل بأن حجة الإسلام أبي حامد الغزالي (رحمه الله) كان عائقاً أمام النهضة العلمية هو من قبيل “الأوهام حول الغزالي”؛ فلا النهضة توقفت بعده، ولا الحركة العقلية انحسرت بكتابه “تهافت الفلاسفة”. بل إن الغزالي كان يمارس نقداً منهجياً غايته تمييز اليقين من الظن، والنافع من الضار.
السنن الخلدونية في النهضة العلمية
إن استقراء شروط النهضة العلمية يقتضي التوقف عند المبادئ التي قررها العلامة ابن خلدون في مقدمته، حيث وضع قواعد كلية لفهم حركة العلم في المجتمع، ومن أبرزها:
- تلازم العلم والعمران: حيث أكد أن “العلوم تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة”.
- العلم كصناعة: تقريره أن “التعليم من جملة الصنائع”، مما يخرجه من دائرة الترف الفكري إلى دائرة الإنتاج الحضاري.
- عالمية العطاء: ملاحظته الدقيقة بأن “حملة العلم في الإسلام أكثرهم من العجم”، مما يؤكد استيعاب الإسلام لكافة الطاقات البشرية تحت راية التوحيد.
منهج الغزالي: بين البناء الفقهي والنقد الفلسفي
لقد تميز الإمام الغزالي (رحمه الله) بقدرة فذة على المزاوجة بين العلوم؛ ففي كتابه “المستصفى من علم الأصول”، نراه يقرر مرتبة علم الأصول بقوله: “فإنه يأخذ من صفو الشرع والعقل سواء السبيل، فلا هو تصرف بمحض العقول بحيث لا يتلقاه الشرع بالقبول، ولا هو مبني على محض التقليد الذي لا يشهد له العقل بالتأييد والتسديد”.
إن الغاية من مسعى الغزالي في مزج المنطق بعلوم الأصول كانت تهذيب طرق الاستدلال؛ إذ يقول في “مقاصد الفلاسفة”: “غرضنا تهذيب طرق الاستدلالات وذلك مما يشترك فيه النظار”. وهذا يؤكد أن النقد عند الغزالي لم يكن هدماً للعقل، بل كان صيانة له من الشطط الميتافيزيقي الذي لا يستند إلى برهان.
نحو تأصيل معرفي معاصر واستئناف حضاري
إن معركتنا المعاصرة في العلوم الإسلامية والتأصيل المعرفي تتطلب تجاوز الانبهار بالمنتج الغربي دون نقد، كما تتطلب الانعتاق من الجمود التراثي دون تجديد. إننا بحاجة إلى:
- الوعي بالحاجات العملية: أن تنبع علومنا من مشكلات واقعنا، تماماً كما فعل الأوائل في تطوير علوم الهيئة والفرائض.
- التكامل المعرفي: رفض الفصل الحاد بين علوم الوحي وعلوم الكون، فالحقيقة واحدة وإن تعددت طرق الوصول إليها.
- إصلاح مؤسسات التعليم: تحويل التعليم من مجرد تلقين إلى “ملكة” تمكن الباحث من الإبداع والاجتهاد.
إن استنفاد الطاقات في مراجعات نظرية لا تتصل بهموم التنمية والنهضة يورث العجز الحضاري. لذا، وجب على المشتغلين بالتأصيل المعرفي أن يجعلوا من “العلم النافع” بوصلتهم، وهو العلم الذي يجمع بين طهارة الوحي ودقة التجربة.
خاتمة: مشكاة الهداية
وختاماً، فإن النهضة العلمية المنشودة ليست استيراداً لآلات، ولا تكديساً لأشياء، بل هي استعادة لفاعلية الفكر المستنير بنور الوحي. إن طريق النهضة يبدأ من الإيمان بأن العقل هبة الله سبحانه وتعالى، وأن الوحي عصمة له من الزلل، فإذا اجتمعا استقام أمر الدنيا والدين.
اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، واجعل علمنا حجة لنا لا علينا، وانفع بنا البلاد والعباد، إنك سميع مجيب الدعاء.



اترك تعليقاً