نبضٌ يتعثر في طرقات الموت
هل يمكن لصرخة استغاثة أن تختنق في زحام الطرقات المدمرة؟ في قطاع غزة، لم يعد هذا السؤال ضرباً من الخيال، بل واقعاً يومياً يواجه منظومة الإسعاف في غزة التي باتت أنفاسها تتقطع تحت وطأة استنزاف دام أكثر من ألف يوم. إن سيارة الإسعاف هناك ليست مجرد وسيلة نقل، إنها خيط الحياة الرفيع الذي يربط بين حافة الردى وبصيص الأمل، لكن هذا الخيط يزداد رقة يوماً بعد يوم حتى كاد ينقطع.
منذ أكتوبر 2025، وصفارات الإسعاف تشق صمت الدمار، لا تعلن عن وصول النجدة بقدر ما تعلن عن استمرار المقاومة في أبسط صورها: البقاء على قيد الحياة. إنها ملحمة يخوضها المسعفون بمركبات متهالكة، تجاوزت عمرها الافتراضي بسنوات، وتعمل في ظروف جغرافية وميدانية تجعل من كل رحلة إنقاذ معجزة ميكانيكية بحد ذاتها.
مأساة الفالوجا: حين يغدو الوقت عدواً
في منطقة الفالوجا شمالي جباليا، تجسدت المأساة في أقسى صورها. حين استُهدفت نقطة الشرطة المركزية، وجد الأهالي أنفسهم أمام مشهد يفوق قدرة الاحتمال: 15 جسداً مبعثراً بين شهيد وجريح، بينما لا تتوفر في المنطقة سوى سيارة إسعاف واحدة صالحة للعمل.
اضطر المواطنون لتحويل الدراجات النارية ذات العجلات الثلاث (التكتك) والسيارات المدنية إلى سيارات إسعاف بدائية. وفي مشهد يفيض بالأسى، تكدس عشرة أشخاص داخل مركبة إسعاف واحدة، بينهم إصابات حرجة، ليتحول حيز المركبة الضيق إلى غرفة عمليات عشوائية، استخدم فيها المرافقون ملابسهم الخاصة كأربطة ضاغطة (Tourniquets) لوقف النزيف، في محاولة يائسة لتعويض غياب المستلزمات الطبية الأساسية.
النزيف التقني: أرقام تحكي قصة الانهيار
إن الأرقام الواردة من ميدان العمل الطبي لا تعكس مجرد إحصائيات، بل ترسم ملامح كارثة إنسانية وشيكة. تعاني منظومة الإسعاف في غزة من شلل أصاب مفاصلها الحيوية:
- 70% من الأسطول الإسعافي: خرج تماماً عن الخدمة بفعل الاستهداف المباشر أو التهالك.
- وزارة الصحة: من أصل 82 مركبة، فقدت 39 مركبة كلياً، و17 أخرى تنتظر صيانة مستحيلة.
- الهلال الأحمر الفلسطيني: فقد 58 مركبة من أصل 99، أي أكثر من نصف قوته الضاربة في الميدان.
- الخدمات الطبية والدفاع المدني: يعملون بما لا يتجاوز 30% من قدرتهم السابقة، بمركبات متهالكة تفتقر لأدنى مقومات الأمان.
كيمياء البقاء: ورشة الصيانة من العدم
من رحم المعاناة، وُلدت فلسفة جديدة للصيانة في غزة؛ حيث لم يعد المهندسون يبحثون عن قطع غيار جديدة، بل يمارسون نوعاً من "الاستنساخ الميكانيكي". داخل ورش الصيانة التابعة لوزارة الصحة، يتم تفكيك السيارات المحطمة لإنقاذ تلك التي لا تزال قادرة على السير.
يصف المهندسون الواقع بأنه صراع مع المستحيل؛ فالإطارات أصبحت عملة نادرة، والزيوت تُستخلص من المحركات المتضررة لإعادة استخدامها. حتى سيارات الإسعاف الحديثة التي تعمل بالبنزين (وهو وقود شحيح جداً) يتم تفكيكها للاستفادة من أجزائها لتشغيل المركبات القديمة التي تعمل بالسولار. إنها عملية "تطويع" ميكانيكي بائسة تهدف فقط لتأجيل لحظة السقوط النهائي.
التحديات اللوجستية والحصار الرقمي
المفارقة المؤلمة تكمن في المنع الممنهج لإدخال قطع الغيار الأساسية مثل البطاريات، والإطارات، والزيوت، وحتى أبسط المستلزمات الميكانيكية. وبينما تُحرم منظومة الإسعاف في غزة من هذه الضرورات، يُسمح للمنظمات الدولية بإدخال احتياجاتها، مما يضع الكادر الطبي المحلي في مواجهة مباشرة مع الموت دون أدوات صمود.
إن تعطل سيارة إسعاف وهي تحمل مصاباً في حالة حرجة ليس مجرد عطل فني، بل هو حكم بالإعدام يُنفذ في منتصف الطريق. فالطرق الوعرة والمدمرة تسرع من وتيرة تهالك الإطارات، وانفجار إطار واحد قد يعني فقدان أرواح كانت تنتظر الوصول إلى مجمع الشفاء الطبي أو مستشفى شهداء الأقصى.
خاتمة: حين تصمت الصفارات
إن ما تواجهه منظومة الإسعاف في غزة اليوم هو اختبار لضمير العالم قبل أن يكون اختباراً لقدرة الغزيين على الاحتمال. إن استمرار هذا النزيف في الموارد يعني أننا نقترب من لحظة الصمت الكبير، حيث ستتوقف المحركات وتخفت الصفارات، ليس لانتهاء الحرب، بل لأن الآلة استسلمت أخيراً لعدمية الحصار. إن إنقاذ هذه المنظومة ليس ترفاً لوجستياً، بل هو الواجب الأخلاقي الأول لحفظ ما تبقى من كرامة الحياة في بقعة جغرافية ترفض الموت رغم كل أسبابه.



اترك تعليقاً