أوجاع الغياب: حكايات من غزة عن أسرى ومفقودين في قبضة المجهول

أوجاع الغياب: حكايات من غزة عن أسرى ومفقودين في قبضة المجهول

هل ثمة وجع يفوق انتظار خبر عن غائب لا تدري أطواه الثرى أم تكبله القيود؟ في قطاع غزة، لم يعد السؤال عن الحياة والموت ترفاً فكرياً، بل هو الخيط الرفيع الذي يربط آلاف العائلات بآمال معلقة على حافة الهاوية. يواجه الأسرى الفلسطينيون اليوم واقعاً يلفه الغموض والترهيب، حيث تتداخل صرخات المعذبين خلف القضبان مع أنين الأمهات اللواتي يبحثن عن أثر لأبنائهن في ركام المدن والمقابر الجماعية.

رحلة البحث عن سراب: عائلات في مهب اليقين

تتجسد مأساة الفقد في قصة إياد المصري، الأسير المحرر الذي لم تكتمل فرحته بالحرية، إذ وجد نفسه في رحلة بحث مضنية عن أبنائه المفقودين. طاف إياد المستشفيات، ونبش في ذاكرة المقابر الجماعية، وسأل كل عابر سبيلاً في قطاع غزة، لكنه لم يعثر على جواب يشفي غليله. يقول إياد بمرارة إن قلبه يعتصره الألم، ليس لخوفه من الموت، بل لأن أبناءه شباب قد لا يقوون على تحمل صنوف العذاب التي ذاقها هو في زنازين الاحتلال.

أما بدرية، زوجة ضابط الإسعاف الذي غيبه الموت خلف الأسوار، فترسم لوحة أخرى للوجع. اعتقل زوجها عند حاجز "نتساريم"، لتتلقى لاحقاً خبراً باستشهاده في يوم اعتقاله نفسه. ورغم إبلاغها بقرار تشريح الجثة، إلا أن الصليب الأحمر يقف عاجزاً عن تقديم أي معلومة، وتظل هي متمسكة بصوره في هاتفها، ترفض الاستسلام لليأس طالما لم تستلم جثمانه ليوارى الثرى بكرامة.

أجساد مستباحة: شهادات من قلب العتمة

خلف القضبان، تتحول الأجساد إلى ساحات لتصفية الحسابات. يروي الأسير المحرر جبريل الصفدي فصولاً من الجحيم الذي عاشه، حيث فقد قدمه جراء التعذيب الوحشي. يصف جبريل كيف كان جنود الاحتلال يتناوبون على ضربه في أنحاء جسده، خاصة منطقة الكلى، حتى غدا ككرة يتقاذفونها. ولم تتوقف الانتهاكات عند الضرب المبرح، بل امتدت لتشمل اعتداءات تمس الكرامة الإنسانية في أبشع صورها.

وفي ظل هذه الظروف، تبرز لغة الأرقام لتعكس حجم المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني، وهي إحصائيات توثق مرحلة هي الأصعب منذ عقود:

  • 9600 أسير: يقبعون حالياً داخل سجون الاحتلال الإسرائيلي.
  • 89 شهيداً: ارتقوا داخل السجون منذ مطلع عام 2023 نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي.
  • 3532 معتقلاً إدارياً: محتجزون دون تهمة أو محاكمة، في سابقة تاريخية تشمل نساءً وأطفالاً.

التشريع القاتل وصمت الضمير العالمي

لم يكتفِ الاحتلال بالتنكيل الجسدي، بل عمد إلى شرعنة القتل عبر قوانين جائرة. فقد أقر الكنيست الإسرائيلي قانوناً يفرض عقوبة الإعدام شنقاً على الفلسطينيين المدانين بمقاومة الاحتلال، في خطوة تعكس رغبة محمومة في تصفية الوجود الفلسطيني قانونياً وجسدياً.

وفي يوم الأسير الفلسطيني، ترفع حركة حماس صوتها محملة الاحتلال المسؤولية الكاملة عن حياة آلاف المختطفين والمخفيين قسرياً في قطاع غزة، مستنكرة الصمت الدولي المطبق أمام جرائم الإعدام بدم بارد التي تجري بعيداً عن أعين الكاميرات.

إن قضية الأسرى والمفقودين في غزة ليست مجرد ملف سياسي يُطرح في أروقة المفاوضات، بل هي مأساة إنسانية تضرب بجذورها في عمق الوجدان. سيبقى الأمل سلاحاً يشحذه المنتظرون على أبواب الزنازين، وستبقى الحقيقة مطاردة للجلاد مهما طال ليل الظلم، فالحرية حق لا يسقط بالتقادم، وصمود الأسرى هو البرهان الساطع على أن إرادة الشعوب لا تقيدها السلاسل.


المصدر: الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *