فضيحة تسريبات الإنتربول: سلاح موسكو العابر للحدود
في اختراق معلوماتي جديد يكشف وجه الصراع المستمر بين الكرملين ومعارضيه، كشفت آلاف الملفات المسربة من داخل منظمة الشرطة الجنائية الدولية (الإنتربول) عن استراتيجية روسية ممنهجة لاستغلال الأدوات القانونية الدولية في تصفية الحسابات السياسية. الوثائق التي وصلت إلى جهات تحقيق دولية، تظهر كيف تحولت “النشرات الحمراء” من وسيلة لملاحقة المجرمين العاديين إلى أداة لملاحقة منتقدي النظام الروسي في الخارج.
وتشير البيانات التي حصلت عليها خدمة بي بي سي العالمية ووكالة “ديسكلوز” الفرنسية، إلى أن موسكو تتصدر قائمة الدول الأكثر استغلالاً لهذا النظام. فخلال العقد الماضي، تلقت وحدة الشكاوى المستقلة في الإنتربول تظلمات ضد روسيا تعادل ثلاثة أضعاف ما تلقته ضد تركيا، التي تليها في الترتيب، مما يضع نزاهة المنظمة الدولية على المحك.
أرقام صادمة: روسيا في صدارة قائمة التجاوزات
تحليل البيانات المسربة يرسم صورة قاتمة عن حجم التغلغل الروسي في أنظمة الإنتربول. فقد تقدم ما لا يقل عن 700 مطلوب لدى روسيا بشكاوى رسمية، وأسفرت التحقيقات عن إلغاء 400 نشرة حمراء أو تعميم دولي على الأقل، وهو الرقم الأعلى مقارنة بأي دولة أخرى في العالم. هذه الإلغاءات تؤكد أن نسبة كبيرة من الطلبات الروسية تفتقر إلى الأساس القانوني وتندرج تحت بند الملاحقة السياسية.
وعلى الرغم من القيود الإضافية التي فرضها الإنتربول على موسكو عقب الغزو الشامل لأوكرانيا عام 2022، إلا أن التسريبات تشير إلى أن هذه الإجراءات كانت قاصرة. بل إن المبلّغ عن هذه المخالفات أكد أن بعضاً من أكثر إجراءات الرقابة صرامة قد تم التخلي عنها بهدوء في عام 2025، مما فتح الباب مجدداً أمام التجاوزات الروسية.
قصص الضحايا: عندما تتحول الحياة إلى سجن مفتوح
تسلط الوثائق الضوء على حالات إنسانية تضررت بشكل مباشر من هذا الاستغلال. إيغور بيستريكوف، رجل أعمال روسي وجد نفسه ضحية لـ “تعميم أحمر” بعد رفضه الانصياع لضغوط حكومية لتوريد منتجات شركته للمجهود العسكري الروسي. يصف بيستريكوف تجربته قائلاً: “بمجرد صدور النشرة الحمراء، تصبح كالفأر المحاصر؛ لا يمكنك استئجار شقة، وتُجمد حساباتك البنكية، وتعيش في توتر دائم من اقتحام الشرطة لمنزلك”.
حالة أخرى يبرزها التحقيق هي حالة الصحفي أرمين أراميان، الذي فر من روسيا هرباً من القمع. كشفت التسريبات عن مراسلات روسية سرية حاولت الالتفاف على الإجراءات الرسمية بطلب معلومات مباشرة من دول مثل ألمانيا وأرمينيا حول مكان تواجده، وهو ما يعد خرقاً صريحاً لدستور الإنتربول الذي يحظر التدخل في القضايا ذات الطابع السياسي.
ثغرات في النظام ومطالب بالتعليق
أثار قانونيون وخبراء دوليون تساؤلات جدية حول قدرة الإنتربول على حماية نظامه من التلاعب. المحامي البريطاني بن كيث، المتخصص في قضايا النشرات الحمراء، يرى أن محاولات الوكالة لضبط الطلبات الروسية لم تنجح، مشدداً على أن استمرار الانتهاكات الجسيمة يستوجب تعليق عضوية الدولة المسيئة لفترة محددة لضمان سلامة المنظومة الدولية.
من جانبه، يدافع الإنتربول عن سجله، مؤكداً أن أنظمته تساهم في القبض على آلاف المجرمين الخطيرين سنوياً، وأنه يمتلك لجان مراجعة مستقلة تعمل على تصفية الطلبات غير القانونية. ومع ذلك، تظل التقارير الداخلية المسربة لعامي 2024 و2025 تعبر عن “مخاوف جدية” من انتهاكات روسية صارخة، خاصة بعد محاولات موسكو استهداف قضاة المحكمة الجنائية الدولية عبر أنظمة الإنتربول.
مستقبل العدالة الدولية في ميزان الشفافية
تضع هذه التسريبات منظمة الإنتربول أمام تحدٍ وجودي؛ فبين الرغبة في الحفاظ على تعاون شرطي عالمي وبين ضرورة منع تحول المنظمة إلى ذراع أمنية للأنظمة السلطوية، يبدو الطريق معقداً. ويطالب مراقبون بضرورة تعزيز الشفافية ونشر بيانات دورية حول الدول التي تُرفض طلباتها، لضمان عدم استغلال “التعاون الدولي” في قمع الحريات وملاحقة المعارضين عبر القارات.
المصدر: BBC Arabic


اترك تعليقاً