إسرائيل وسياسة “فرق تسد”: تلغيم الأقليات العربية وتاريخ من الخذلان

إسرائيل وسياسة “فرق تسد”: تلغيم الأقليات العربية وتاريخ من الخذلان

مقدمة: عقيدة المحيط وتوظيف الأقليات

تكشف الاستراتيجية الإسرائيلية في المنطقة عن نمط ثابت يعتمد على ما يعرف بـ "عقيدة المحيط"، وهي فلسفة تقوم على إحاطة الدول العربية بحزامين من التوتر، أحدهما إقليمي عبر تأزيم العلاقات مع الجيران غير العرب، والآخر داخلي من خلال توظيف الأقليات. هذا المقال يسلط الضوء على هذه السياسة، بدءًا من دعم إسرائيل لحركات التمرد في جنوب السودان وصولًا إلى محاولات استغلال الأقليات في سوريا، مع التركيز على النتائج الكارثية التي غالبًا ما تترتب على هذه التحالفات.

السودان: نموذج مبكر لتطبيق "عقيدة المحيط"

في ستينيات القرن الماضي، قدمت إسرائيل دعمًا سريًا لحركة أنيانيا الجنوبية في السودان، كما كشف ضابط الاستخبارات الإسرائيلي ديفيد بن عوزيل في كتابه. شمل هذا الدعم تزويد المتمردين بالأسلحة والتدريب، بهدف استنزاف قدرات الخرطوم وإبعادها عن الصراع مع إسرائيل.

  • تفاصيل الدعم الإسرائيلي:
    • نقل أسلحة ومعدات اتصال متطورة.
    • تدريب المقاتلين على يد ضباط إسرائيليين.
    • التخطيط لعمليات تخريبية ضد الجيش السوداني.

انتهى هذا الدعم بانفصال جنوب السودان في عام 2011، لكنه لم يحقق الاستقرار المنشود. سرعان ما انزلقت الدولة الوليدة في حرب أهلية جديدة، نتيجة لتراكم الأسلحة وتأجيج الصراعات الداخلية.

تقسيم الدول العربية: رؤية المسيري

يتفق هذا النهج مع رؤية المفكر المصري عبد الوهاب المسيري، الذي يرى أن المشروع الصهيوني يعتمد على ركيزتين أساسيتين:

  1. البلقنة: تفكيك الدول العربية إلى كيانات صغيرة متصارعة.
  2. التبعية الاقتصادية: ربط المصالح الاقتصادية للدول العربية بالاقتصاد الإسرائيلي.

وبناءً على هذا، قسّم المسيري العالم العربي إلى أربع دوائر جيوسياسية، مع تحديد آلية للتعامل مع كل منها لضمان الهيمنة الإسرائيلية.

  • الدائرة الأولى: الهلال الخصيب: تقسيم سوريا والعراق ولبنان إلى دويلات عرقية وطائفية.
  • الدائرة الثانية: مصر والسودان: زعزعة مكانة مصر وتقويض الدولة المركزية، وفصل جنوب السودان.
  • الدائرة الثالثة والرابعة: الخليج والمغرب العربي: تحييدهما عن دائرة الصراع.

سوريا: تكرار السيناريو مع الدروز

بعد أكثر من نصف قرن، تعود "عقيدة المحيط" إلى الواجهة في سوريا، حيث تستخدم إسرائيل الأقلية الدرزية أداة للضغط على النظام وذريعة لتوسيع عملياتها العسكرية. ورغم أن بعض الأصوات الدرزية تؤيد التحالف مع إسرائيل، إلا أن غالبية الدروز يرفضون هذا التدخل ويرون فيه مصدرًا لتوتر متصاعد.

  • "كتيبة السيف" ووحدة الأقليات: تاريخ من التوظيف العسكري للأقليات في الجيش الإسرائيلي.
  • تصريحات جدعون ساعر: دعوة لبناء تحالفات مع الأقليات في المنطقة.
  • غارات جوية إسرائيلية: تبرير التدخل العسكري بحماية الدروز.

دروس التاريخ: لبنان وكردستان

تحذر تجارب تاريخية سابقة من مغبة التحالف مع إسرائيل، ففي لبنان، انتهى دعم إسرائيل للميليشيات المسيحية بالانهيار والنزوح. وفي كردستان، توقف الدعم الإسرائيلي بعد توقيع اتفاقية الجزائر.

  • لبنان: دعم الميليشيات المسيحية ثم التخلي عنها بعد الانسحاب من الجنوب.
  • كردستان: دعم البشمركة ثم التوقف بعد اتفاقية الجزائر.

الخاتمة: سؤال الثقة والمصالح

تثير هذه الوقائع أسئلة حول مدى الثقة في التحالف مع إسرائيل، فالتجارب التاريخية تظهر أن هذا التحالف غالبًا ما يكون مؤقتًا ويخدم مصالح إسرائيل فقط. فهل ستتعلم الأقليات من هذه الدروس، أم ستكرر الأخطاء نفسها؟ وهل ستدرك أن بندقية الحليف الإسرائيلي مؤقتة وأنها لا تخدم إلا مصالحه؟

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *