احتجاجات إيران 2025: قراءة عميقة في الجذور الاقتصادية والمآلات السياسية للأزمة

احتجاجات إيران 2025: قراءة عميقة في الجذور الاقتصادية والمآلات السياسية للأزمة

شهدت الساحة الإيرانية في أواخر ديسمبر 2025 موجة من الاحتجاجات الشعبية التي انطلقت شرارتها من قلب العاصمة طهران، لتمتد سريعاً إلى محافظات عديدة. وتأتي هذه التحركات في وقت حساس يواجه فيه الاقتصاد الإيراني تحديات جسيمة، تداخلت فيها الأزمات المعيشية مع الانهيارات المتسارعة في قيمة العملة المحلية، مما خلق حالة من الاحتقان الاجتماعي الواسع.

شرارة البداية: من أسواق الهواتف إلى الشارع العام

بدأت ملامح الاضطراب في 28 ديسمبر 2025، عندما توقفت الحركة التجارية في مراكز بيع الهواتف المحمولة وسط طهران. احتجاجات التجار لم تكن وليدة الصدفة، بل كانت رد فعل مباشر على التذبذب الحاد في أسعار صرف الدولار، الذي أربك الحسابات التجارية وأدى إلى شلل في القوة الشرائية للمواطنين.

ولم تلبث هذه التحركات أن تجاوزت أسوار الأسواق، حيث انضمت فئات اجتماعية مختلفة للمطالبة بتحسين الأوضاع، وسرعان ما ارتفع سقف المطالب في بعض المناطق لتتخذ طابعاً سياسياً، وفق ما نقلته المصادر الرسمية.

خريطة الاحتجاجات: اتساع جغرافي ومشاركة طلابية

لم تقتصر الاحتجاجات على العاصمة فحسب، بل امتدت لتشمل أكثر من 20 محافظة إيرانية، من أبرزها:

  • أصفهان وفارس ولرستان: شهدت تجمعات حاشدة في الساحات العامة.
  • همدان وقزوين وبوشهر: سجلت إغلاقاً للمحال التجارية واحتجاجات أمام المباني الحكومية.
  • الجامعات: شهدت جامعات طهران تجمعات طلابية رفعت شعارات تعبر عن الاستياء من الواقع الراهن.

ورغم الطابع السلمي لأغلب التجمعات، إلا أن بعض المدن شهدت مواجهات ميدانية بين المحتجين وقوات الأمن، أسفرت عن وقوع ضحايا من الجانبين.

الاستجابة الرسمية: بين "الحوار" و"الحزم"

تعاملت القيادة الإيرانية مع الأزمة بمسارين متوازيين، أحدهما سياسي والآخر اقتصادي:

1. الموقف السياسي والقضائي

  • المرشد الأعلى: اعتبر علي خامنئي أن مطالب التجار والمهنيين "محقة"، لكنه حذر من استغلال من وصفهم بـ "المرتزقة" لهذه المطالب لإثارة الفوضى، مؤكداً على ضرورة التفريق بين الاحتجاج السلمي وأعمال الشغب.
  • الجهاز القضائي: أكد رئيس السلطة القضائية، محسني إجئي، أن الباب مفتوح للحوار مع المنتقدين، مشدداً في الوقت ذاته على التعامل الصارم مع أي محاولات لزعزعة الأمن القومي.
  • الحكومة: وجه الرئيس مسعود بزشكيان المسؤولين المحليين بضرورة فتح قنوات حوار مباشرة مع المواطنين لسماع شكواهم ومعالجتها.

2. الإجراءات الاقتصادية العاجلة

  • تغييرات هيكلية: تمت إقالة رئيس البنك المركزي محمد رضا فرزين وتعيين عبد الناصر همتي مكانه في محاولة لضبط سوق الصرف.
  • دعم معيشي: أطلقت الحكومة خطة طوارئ تشمل تخصيص رصيد شهري (مليون تومان) لـ 80 مليون مواطن لمدة 4 أشهر، مخصص لشراء السلع الأساسية.

رؤية تحليلية: هل هي أزمة عابرة أم تحول بنيوي؟

يرى الخبراء أن ما يحدث في إيران يتجاوز كونه مجرد رد فعل لحظي على ارتفاع الأسعار.

المنظور الاجتماعي (محمد آقاسي)

يوضح الباحث الاجتماعي محمد آقاسي أن هذه الاحتجاجات يجب أن تُفهم كـ "مسار ممتد" وليس مجرد "حدث منفصل". فهي نتاج تراكمات لمطالب لم تتم الاستجابة لها عبر سنوات. ويشير إلى أن تجاهل السياق الاجتماعي والثقافي والتركيز فقط على الحلول الأمنية أو الظرفية قد يؤدي إلى إعادة إنتاج التوتر بشكل أقوى مستقبلاً.

المنظور الاقتصادي (مرتضى أفقه)

من جانبه، يربط الأكاديمي مرتضى أفقه الأزمة بـ "البنية الاقتصادية المنهكة" تحت وطأة العقوبات. ويرى أن:

  • تراجع احتياطيات العملة الصعبة وعجز الموازنة هما المحركان الأساسيان للتضخم.
  • عدم استقرار سعر الصرف أخطر من ارتفاعه، لأنه يمنع التخطيط الاقتصادي.
  • الاعتماد على زيادة الضرائب لسد عجز الإيرادات زاد من الضغط على الطبقات المتوسطة والفقيرة.

الخاتمة: تحدي الاستقرار المستقبلي

تجد إيران نفسها أمام مفترق طرق؛ فبينما تحاول الحكومة امتصاص الغضب الشعبي عبر حزم مالية وتغييرات إدارية، يبقى السؤال القائم: هل تكفي هذه المسكنات في ظل استمرار الضغوط الخارجية والقيود الهيكلية على الاقتصاد؟ إن قدرة النظام على الانتقال من "إدارة الأزمة" إلى "حل جذور الاحتقان" ستكون هي الفيصل في تحديد ملامح الاستقرار في المرحلة المقبلة.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *