احتجاجات إيران: صراع السيادة وفخ الفوضى بين القبضة الأمنية والضغوط الدولية

احتجاجات إيران: صراع السيادة وفخ الفوضى بين القبضة الأمنية والضغوط الدولية

تجاوزت الاحتجاجات المتسارعة في إيران حدود التعبير عن الغضب الشعبي العابر، لتتحول إلى أزمة استراتيجية كبرى تضع الدولة الإيرانية أمام اختبار معقد في كيفية إدارة الأزمات. تأتي هذه التطورات في توقيت إقليمي ودولي شديد الحساسية، حيث تتشابك الضغوط المعيشية والاجتماعية في الداخل مع استراتيجية أمريكية تهدف إلى استنزاف الخصوم عبر نشر "الفوضى الخلاقة" وتهشيم سيادة الدولة بدلاً من الدخول في مواجهات عسكرية مباشرة.

ثنائية الخطاب: بين التشدد والاحتواء

تتجلى معضلة طهران في التباين الواضح بين جناحي السلطة في قراءة المشهد:

  • خطاب المرشد الأعلى (علي خامنئي): الذي يتبنى نبرة حازمة تربط الحراك الشعبي بمخططات خارجية وأدوار استخباراتية دولية تهدف لزعزعة الاستقرار.
  • خطاب الرئيس (مسعود بزشكيان): الذي يميل إلى التهدئة، داعياً إلى ضرورة الإنصات لمطالب الشارع وممارسة أقصى درجات ضبط النفس لتجنب الانفجار.

هذا التباين يطرح تساؤلاً جوهرياً: هل تنجح طهران في احتواء المطالب الاقتصادية المشروعة دون الانزلاق إلى "المعالجة الأمنية" التي قد تمنح القوى الخارجية الذريعة للتدخل أو التصعيد؟

استراتيجية "تهشيم السيادة" والضغط المركب

يرى خبراء سياسيون أن تمسك النظام بالرواية الأمنية ليس مجرد دفاع عن النفس، بل هو نابع من شعور بوجود "ضغط مركب" يستهدف بنية الدولة ذاتها. وتتمثل ملامح هذا الضغط في:

  1. الإرث الصدامي: تداعيات المواجهات الإقليمية، لا سيما مع إسرائيل.
  2. الملف النووي: التشدد الأمريكي المستمر الذي يهدف لانتزاع تنازلات سيادية.
  3. نموذج التسعينيات: السعي الأمريكي لإضعاف المؤسسات الإيرانية وترك النظام في حالة هشاشة مزمنة، على غرار ما حدث في العراق سابقاً، لضمان فقدان الدولة قدرتها على المناورة.

قراءة الداخل: الفصل بين "المطالب" و"الفوضى"

من وجهة نظر الأكاديميين المقربين من دوائر صنع القرار في طهران، تحاول السلطات جاهدة الفصل بين نوعين من التحركات:

  • احتجاجات مطلبية: ناتجة عن ضغوط اقتصادية وغلاء معيشي، وتعتبرها السلطة (نظرياً) مشروعة.
  • عناصر الفوضى: مجموعات يُعتقد أنها مدعومة من الخارج لدفع المشهد نحو الصدام المسلح وتفكيك مؤسسات الدولة.

الرهان الإيراني اليوم هو منع تكرار سيناريوهات الانهيار التي شهدتها دول الجوار، حيث أدى الصدام الأمني المفتوح إلى فوضى طويلة الأمد يصعب السيطرة عليها.

معضلة الاحتجاجات "بلا رأس"

تكمن الصعوبة الكبرى في طبيعة هذه الاحتجاجات التي توصف بأنها "بلا قيادة" (Leaderless Protests). هذا التوصيف يعني غياب إطار تنظيمي أو قيادة سياسية واضحة يمكن التفاوض معها، مما يجعل أي تصعيد أمني بمثابة شرارة قد تحول المطالب المعيشية إلى مواجهة سياسية شاملة تهدد شرعية النظام أمام قواعده الصامتة.

الموقف الأمريكي: الاستنزاف لا الإسقاط الفوري

على الجانب الآخر، تراقب واشنطن المشهد من زاوية "رفع الكلفة". فالهدف الأمريكي الحالي، وفقاً لمحللين دوليين، لا يركز بالضرورة على إسقاط النظام بشكل فوري، بل يهدف إلى:

  • إبقاء إيران في حالة اضطراب داخلي دائم.
  • تعطيل قدرتها على فرض شروطها في المفاوضات الكبرى.
  • استنزاف الموارد الأمنية والعسكرية في الداخل بدلاً من التوسع الإقليمي.

الخاتمة: خيارات أحلاها مرّ

تجد طهران نفسها اليوم محاصرة بين مسارين كلاهما يحمل مخاطر جسيمة:

  1. الخيار الأمني: قد يفرض هدوءاً مؤقتاً، لكنه يهدد بتدويل الأزمة وكسر التماسك الشعبي.
  2. الانفتاح السياسي: قد يخفف الاحتقان، لكنه في ظل الضغوط الخارجية قد يُفسر كضعف، مما يهدد هيبة الدولة في لحظة إقليمية فارقة.

إن مستقبل الاستقرار في إيران يعتمد بشكل أساسي على قدرة السلطة على ابتكار "طريق ثالث" يوازن بين الحفاظ على السيادة وبين الاستجابة الحقيقية لمتطلبات الشارع، بعيداً عن فخاخ الفوضى التي تتربص بالدولة.

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *