استمرارية الشريعة: كيف أعاد الفقهاء صياغة القوانين الجنائية في العصر الحديث؟

استمرارية الشريعة: كيف أعاد الفقهاء صياغة القوانين الجنائية في العصر الحديث؟

شهد القرن التاسع عشر تحولاً جذرياً في بنية السلطة السياسية داخل العالم الإسلامي، حيث ظهرت "الدولة الحديثة" ككيان مركزي يسعى لفرض سيطرته عبر قوانين مكتوبة وإجراءات بيروقراطية معيارية. هذا التحول وضع الفقه الإسلامي -الذي ظل لقرون المرجعية القضائية الأولى- أمام تحدٍ وجودي: هل تستطيع الشريعة الصمود أمام زحف القوانين الوضعية؟ أم أن الحداثة القانونية تعني بالضرورة "موت الفقه" وانقطاعه عن الواقع؟

في كتابه النوعي "استمرارية الشريعة: تطور الفقه الجنائي في القرن الـ19"، يقدم الباحث برايان رايت (بترجمة د. محمود عبد العزيز أحمد) إجابة نقدية مغايرة للسائد، مفنداً فرضية "الانقطاع" التي ترى أن الشريعة أُقصيت تماماً من المجال العام لتنحصر فقط في قضايا الأحوال الشخصية.

مراجعة فرضية "الانقطاع": هل انتهى عصر الشريعة؟

تتبنى العديد من الدراسات القانونية المعاصرة، وعلى رأسها أطروحات المفكر وائل حلاق، فكرة أن الدولة الحديثة قد استبدلت النظام الفقهي المرن بسلطة قانونية مركزية أدت إلى تهميش الشريعة. إلا أن برايان رايت يطرح رؤية مختلفة تماماً؛ فهو يرى أن التحول لم يكن "قطيعة" مفاجئة، بل كان عملية معقدة من التفاعل والتكيف.

أبرز نقاط المقاربة الجديدة في الكتاب:

  • المرونة لا الجمود: الشريعة لم تكن منظومة مغلقة، بل نظاماً تأويلياً قادراً على التجدد.
  • المشاركة الفعالة: الفقهاء لم يكونوا مجرد مراقبين، بل ساهموا في نقل الشريعة إلى فضاء التشريع الحديث.
  • التأثير المتبادل: رغم التأثير الغربي الواضح، إلا أن المبادئ الأخلاقية والشرعية ظلت تشكل المرجعية الأساسية للتقنينات الأولى.

لماذا القوانين الجنائية؟ (ميدان الاختبار الصعب)

اختار المؤلف التركيز على "الجنايات والقتل" كنموذج للدراسة، وذلك لعدة أسباب استراتيجية:

  1. حساسية المجال: قضايا الجنايات هي النقطة التي تتقاطع فيها سلطة الدولة السيادية مع الأحكام الفقهية الراسخة.
  2. التوتر بين القديم والحديث: هنا تظهر الفجوة بين آليات الضبط الحديثة والتقاليد الفقهية التي ميزت لقرون بين العمد وشبه العمد والخطأ.
  3. القدرة على التكيف: شكلت الجنايات الاختبار الأكبر لقدرة الفقه على صياغة لغة قانونية جديدة تدمج مفاهيم "القصد والمسؤولية" في قوالب تشريعية معاصرة دون المساس بجوهرها.

نماذج من التفاعل: الهند، مصر، والدولة العثمانية

يكشف الكتاب أن الفقهاء في مناطق مختلفة تعاملوا ببراعة مع المتغيرات السياسية، ولم يكتفوا بالرفض أو الانعزال:

  • في الهند المستعمرة: أجاز علماء كبار اللجوء للمحاكم البريطانية لتحقيق العدل، مستندين إلى فقه "سلطان الجور"، بل وشاركوا في ترجمة النصوص الفقهية لتصبح مرجعاً للقضاء الحديث.
  • في الدولة العثمانية: لم يكن قانون العقوبات لعام 1858 مجرد استيراد خارجي، بل كان نتاج حراك إصلاحي داخلي استند إلى مفهوم "السياسة الشرعية" التي تمنح الحاكم حق التنظيم لتحقيق المصلحة العامة.
  • في مصر: وظّف محمد علي باشا القوانين لتقوية الدولة، لكنه أبقى على المضمون الفقهي كغطاء شرعي لهذه الإجراءات، مما جعل الفقهاء جزءاً أصيلاً من صناعة القانون.

ظهور "النخبة القانونية المزدوجة"

من أهم النتائج التي رصدها الكتاب هو بروز طبقة جديدة من القانونيين الذين جمعوا بين التكوين الشرعي الأصيل والمعارف القانونية الحديثة. هؤلاء لم يروا تعارضاً بين مقاصد الشريعة ومتطلبات الدولة، ومن أبرزهم:

  • محمد قدري باشا (مصر): الذي صاغ قوانين استلهمت المذهب الحنفي.
  • نذير أحمد (الهند): الذي ترجم القوانين بروح فقهية

المصدر: موقع الجزيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *