الأبناء.. زينة الحياة وأمانة الآباء: رؤية شرعية في الرعاية والرحمة

مقدمة: الأبناء هبة الرحمن وزينة الدنيا
تعد نعمة الأبناء من أعظم المنن التي يمتن الله بها على عباده، فهم قرة العين وبهجة النفوس. وقد وصفهم الله تعالى في كتابه الكريم بأنهم “زينة الحياة الدنيا”، وأشار النبي ﷺ إلى شدة تعلق النفس بهم في قوله: «إِنَّ الوَلَدَ مَبْخَلَةٌ مَجْبَنَةٌ»، مما يستوجب شكر هذه النعمة بحسن الرعاية والتربية.

أولاً: هدي الأنبياء في طلب الذرية وتربيتها

لم يغفل الأنبياء -وهم قدوتنا- عن أهمية الذرية الصالحة، فامتلأت دعواتهم بطلب الولد الصالح والولي الرضي:

  • الدعاء بالذرية: دعا زكريا عليه السلام بـ “ذرية طيبة”، وطلب “ولياً رضياً”، ودعا إبراهيم عليه السلام بأن يهبه الله “من الصالحين”.
  • التربية المستمرة: لم تقتصر تربية الأنبياء لأبنائهم على الصغر، بل استمرت حتى الممات؛ فهذا يعقوب عليه السلام يجمع أبناءه -وفيهم الأنبياء والكبار- وهو في سكرات الموت ليسألهم عن جوهر العقيدة: {مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي}، ليعلمنا أن مسؤولية الأب تجاه أبنائه لا تنتهي عند سن معينة.
  • ثانياً: الدعاء.. سلاح الوالدين لصلاح الأبناء

    حثنا القرآن الكريم على ملازمة الدعاء للأبناء في كل وقت، ومن ذلك:

  • الدعاء بأن يكونوا “قرة أعين” وأئمة للمتقين.
  • الدعاء لهم بإقامة الصلاة، والثبات على الإسلام، والوقاية من وسواس الشيطان.
  • الدعاء بطلب الرزق والبركة لهم، فصلاح الآباء ودعاؤهم يمتد أثره للأبناء في الدنيا والآخرة.
  • ثالثاً: الرحمة في التعامل وأدب الخطاب

    من مقاصد الشريعة الرفق بالأبناء وحسن التوجيه، ويظهر ذلك في:

  • الكلمة الطيبة: أمرنا الله بقول التي هي أحسن مع جميع الناس، فالأبناء -وهم فلذات الأكباد- أولى بهذا اللطف.
  • اجتناب التنفير: يحذر الشرع من استخدام الألفاظ النابية، أو نعت الأبناء بأسماء الحيوانات والصفات القبيحة؛ لما لها من أثر نفسي مدمر يجعل الوالد قدوة سيئة لأبنائه.
  • الاحتواء عند الأزمات: تمثل السيدة فاطمة رضي الله عنها نموذجاً في لجوء البنت لأبيها عند الشدة، حيث لجأت للنبي ﷺ حين أتعبها العمل، فاستقبلها بالرفق والتوجيه رغم ضيق ذات اليد.

رابعاً: المسؤولية المالية والتحذير من البخل

حذر الإسلام من الانسياق وراء دعوات “الأنانية” التي تروج لها بعض مواقع التواصل، والتي تحث الآباء على التقتير على أبنائهم، ومن أهم الركائز في ذلك:
1. خير الصدقة: أكد النبي ﷺ أن الدينار الذي ينفقه الرجل على أهله أعظم أجراً من المنفق في سبيل الله أو على المساكين.
2. كفاية أهل البيت: من الإثم العظيم أن يضيع المعيل من يعول ويتركهم للفاقة.
3. إغناء الورثة: توجيه نبوي صريح بأن يترك الإنسان ورثته أغنياء خير من أن يتركهم فقراء يتكففون الناس.
4. البركة في التوسعة: من وسع الله عليه فليوسع على أبنائه، فإن البخل يولد الجفاء، وقد يدفع الأبناء -بسبب ضعف إيمانهم- لتمني زوال عمر الوالد طمعاً في ماله.

خامساً: نماذج مضيئة في الرعاية

إن المنهج القويم الذي يسير عليه العقلاء من الآباء هو تيسير سبل الحياة للأبناء في حال حياتهم؛ من تأمين للسكن، وإعانة على الزواج، وقضاء للحوائج، ابتغاء وجه الله تعالى، ودون انتظار جزاء أو شكور، مقتدين بالآية الكريمة: {فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}، ليحفظ الله ذرياتهم من بعدهم.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *