هو الإمامُ العَلَم أبو عبد الله، محمد بن إدريس المطّلِبي القُرَشي، أحد الأئمة الأربعة وصاحب المذهب الشافعي. وُلد في غزة عام 150 هـ، وفي الثانية من عمره انتقلت به أمه إلى مكة المكرمة بعد وفاة والده، فنشأ يتيماً في حجرها، يعاني من الفقر بصبْرٍ وعزيمة، مِمَّا صقَل شخصيته المجدَّة منذ نعومة أظفاره.
رحلته في طلب العلم ونبوغه المبكر
- حفظ القرآن والحديث: أتمَّ حفظ القرآن الكريم في سنٍّ مبكرة، وبدأ يُقرئه في المسجد الحرام قبل بلوغه الحلم.
- ملازمة الإمام مالك: رحل إلى المدينة النبوية وقرأ “الموطأ” على الإمام مالك من حفظه، فأعجب به الإمام لذكائه وفصاحته.
- الإفتاء: برزت نجابته سريعاً، فأذِن له شيخه مسلم بن خالد الزنجي بالإفتاء وهو دون العشرين من عمره.
- التنوع العلمي: لم يقتصر علمه على الفقه، بل برع في التفسير، وعلوم اللغة العربية، وأشعار العرب ومعانيها، وكان شاعراً مفلقاً.
- اليمن والعراق: سافر إلى اليمن طلباً للرزق والعلم وتزوج هناك، ثم انتقل إلى العراق وعمره 34 عاماً، حيث لازم محمد بن الحسن الشيباني (تلميذ أبي حنيفة)، فجمع بذلك بين مدرسة “أهل الحديث” ومدرسة “أهل الرأي”.
- مصر: استقر في مصر سنة 200 هـ، وبها نشر مذهبه الجديد وصنف كتبه الكبرى، وظل بها حتى وفاته.
- تلاميذ كبار: تتلمذ على يديه أئمة كبار، على رأسهم الإمام أحمد بن حنبل (في العراق)، والمزني، والبويطي، والربيع المرادي (في مصر).
- تقسيم الوقت: كان يقسم ليله ثلاثة أجزاء؛ ثلثاً للكتابة والعلم، وثلثاً للصلاة والتهجد، وثلثاً للنوم.
- تعظيم القرآن: كان مكثراً من التلاوة والتدبر، وربما ختم المصحف في يوم واحد.
- الجود والكرم: عُرف بسخائه الشديد، فكان يتصدق بآلاف الدنانير رغم حاجته، وكان يقول: “عاشِر كرام الناس تعِش كريماً”.
- الإمام أحمد بن حنبل: “كان الشافعي كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس”، ووصفه بأنه “مجدد المائة الثانية”.
- أبو عبيد القاسم بن سلام: “ما رأيت أحداً أعقل ولا أورع ولا أفصح من الشافعي”.
- يونس الصدفي: أثنى على رقيه في أدب الخلاف حين قال له الشافعي بعد مناظرة: “ألا يستقيم أن نكون إخواناً وإن لم نتفق في مسألة؟”.
- تعظيم السنة: كان يقول: “إذا صح الحديث فهو مذهبي”، و”إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بها، ودعوا ما قلته”.
- التواضع للعلم: “وددت أن الناس تعلموا هذه الكتب ولا يُنسب إليَّ منها شيء؛ ليؤجروا ولا يحمدوني”.
- في الأخلاق: “من وعظ أخاه سراً فقد نصحه، ومن وعظه علانية فقد فضحه”.
الترحال وبناء المذهب
الإنتاج العلمي وأبرز المؤلفات
يُعد الشافعي أول من قعد القواعد ووضع الأصول للفقه، ومن أشهر مؤلفاته:
1. كتاب الرسالة: وهو أول كتاب يُصنَّف في علم أصول الفقه.
2. كتاب الأم: المرجع الفقهي الأساسي في مذهبه، ويقع في 8 مجلدات.
صفاته وعبادته
شهادات العلماء فيه
من درر أقواله ومنهجه
وفاته
عاش الإمام الشافعي سنواته الأخيرة في صراع مع المرض، صابراً محتسباً، وفي لحظاته الأخيرة بكى رجاءً في رحمة الله وأنشد بيته المشهور:
*وَلَمَّا قَسَا قَلْبِي وَضَاقَتْ مَذَاهِبِي … جَعَلْتُ رَجَائِي نَحْوَ عَفْوُكَ سُلَّمَا*
توفي رحمه الله في مصر سنة 204 هـ، عن عمر ناهز 54 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً علمياً خالداً أضاء للأمة سُبل الفقه والاستنباط.

اترك تعليقاً