# التحدث بالنعم: ميزان دقيق بين شكر المنعم واتقاء الحسد
الحمد لله الذي أغدق علينا من واسع فضله، وأسبغ علينا نِعمه ظاهرة وباطنة، والصلاة والسلام على خير خلق الله، الذي علمنا كيف نعيش مع الله في السراء والضراء، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إن نعم الله تعالى على عباده تترى، تتوالى عليهم في كل نَفَسٍ ولحظة، وهي من الكثرة بحيث لا يحيط بها حصر، ولا يستوعبها عَدٌّ. وفي هذه النعم التي لا تُحصى عبرة بالغة لأولي الألباب، تستلزم من العبد وقفة طويلة مع الشكر، وتدبراً عميقاً فيما حباه الله في نفسه وأهله وماله من عطايا كبرى. يقول الحق سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: {وَفِي أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ} [الذاريات: 21].
لقد وقف الإمام السعدي رحمه الله عند هذه الآية وقفة المتأمل البصير، فقال: “كذلك في نفس العبد من العبر والحكمة والرحمة ما يدل على أن الله وحده الأحد الفرد الصمد، وأنه لم يخلق الخلق سدى”. فكل عضو في جسدك، وكل نبضة في قلبك، وكل فكرة في عقلك، هي آية ناطقة بعظمة الخالق، تستوجب منك ألا تغفل عن المنعم سبحانه.
التحدث بالنعم: أصل الشكر والامتثال
من كمال شكر النعمة أن يُظهر العبد أثر فضل الله عليه، إقراراً بالفضل لأهله، وبياناً لعظمة المنعم سبحانه. وقد أمر الله تعالى نبيه الكريم صلى الله عليه وسلم، والأمر لأمته من بعده، بقوله: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} [الضحى: 11].
وفي تفسير هذه الآية الكريمة، يوضح الإمام السعدي أن هذا التحديث يشمل النعم الدينية والدنيوية على حد سواء. ومعنى {فَحَدِّثْ} أي: أثنِ على الله بها، وخصّها بالذكر إن كان في ذلك مصلحة راجحة، وإلا فحدث بنعم الله على الإطلاق والعموم.
إن التحدث بنعمة الله ليس مجرد إخبار عابر، بل هو عبادة قلبية ولسانية؛ فهو داعٍ لشكر النعمة، وموجب لتحبيب القلوب إلى الله عز وجل، فإن القلوب جُبلت وفُطرت على محبة من أحسن إليها. فحين تذكر فضل الله عليك، أنت لا تفتخر بنفسك، بل تُعلي من شأن خالقك، وتدفع الآخرين لحسن الظن بالله ورجاء فضله.
والأصل في هذا الخطاب، وإن كان موجهاً للنبي صلى الله عليه وسلم، أنه عام لجميع أمته. وكما قال الشنقيطي في “المراقي”:
*وما به قد خوطب النبي … تعميمه في المذهب السنيف*
فالمسلم مأمور بإظهار الشكر، وستر النعمة ونكرانها نوع من الجحود والكفر بها. وقد جاء في الحديث الذي رواه الإمام أحمد والطبراني وغيرهما مرفوعاً: «التحدث بنعمة الله شكر، وتركها كفر». فالمؤمن الصادق هو من يرى النعمة فينسبها لبارئها، ويتحدث بها تواضعاً لا كبراً.
متى يكون الكتمان حزماً؟ (خطر العين والحسد)
على الرغم من أن الأصل هو التحدث بالنعم شكراً، إلا أن الشرع الحكيم راعى طبيعة النفوس البشرية وما قد يعتريها من أمراض القلوب كالحسد والغل. لذا، أجاز الفقهاء والعلماء للمسلم أن يخفي تفاصيل نِعمه إذا خشي وقوع العين أو تحركت نفسه خوفاً من حاسد أو مبغض.
إن العين حقيقة واقعة لا يجوز إنكارها، ولها تأثير ملموس بإذن الله الكوني. ففي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «العين حق». وقد أمرنا الله تعالى بالاستعاذة من شر الحاسدين فقال: {وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} [الفلق: 5].
ولنا في قصص الأنبياء قدوة وعبرة؛ فهذا نبي الله يعقوب عليه السلام، حين رأى ابنه يوسف رؤيا عظيمة تبشر بمستقبل باهر، أمره بالكتمان حذراً من كيد الحاسدين، قال تعالى: {قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [يوسف: 5]. فهذا أصل أصيل في أن إخفاء النعمة خوفاً من الحسد ليس اعتراضاً على القدر، بل هو من باب الأخذ بالأسباب والحزم في حفظ عطايا الله.
وصايا ابن الجوزي في أدب إظهار النعم
لقد صاغ الإمام ابن الجوزي في كتابه الفذ “صيد الخاطر” درراً من الحكمة في هذا الباب، حيث رسم للمسلم خارطة طريق في التعامل مع النعم. يقول رحمه الله: “ينبغي لمن تظاهرت نعم الله عز وجل عليه أن يظهر منها ما يبين أثرها، ولا يكشف جملتها، وهذا من أعظم لذات الدنيا التي يأمر الحزم بتركها، فإن العين حق”.
ويشرح ابن الجوزي فلسفة الحسد بأسلوب واقعي، فيبين أن إظهار النعمة قد يكون حلواً في نفس صاحبها، لكنه مرٌّ في نفوس الآخرين. فإذا أظهرتها لوديد (صديق) فقد يتحرك في باطنه شيء من الغيظ دون أن يشعر، وإن أظهرتها لعدو فقد هيأت له موضعاً للحسد.
ويؤكد ابن الجوزي أن شر الحاسد ملازم له؛ فهو يتشفى عند البلاء، ويصيب بالعين عند النعمة. ويحذر من شهوة “إغاظة الحساد” بإظهار النعمة، لأن لذة الإغاظة لا تساوي أبداً خطر ضياع النعمة أو فسادها بسبب العين.
قواعد الحزم الثلاث في كتمان الأسرار
يضع ابن الجوزي قواعد ذهبية لكل إنسان حازم يريد الحفاظ على استقراره النفسي والاجتماعي، حيث يرى أن كتمان الأمور في كل حال هو فعل العقلاء. ويستشهد بقول الشاعر:
*احفظ لسانك لا تبح بثلاثة … سن ومال ما استطعت ومذهب*
*فعلى الثلاثة تبتلى بثلاثة … بمموّه وممخرق ومكذب*
1. السن (العمر): إن كشف الإنسان عن مقدار سنه الحقيقي قد يعرضه للازدراء؛ فإن كان كبيراً استهرموه (رأوه عجوزاً لا نفع فيه)، وإن كان صغيراً احتقروه واستصغروا عقله.
2. المعتقد (المذهب): إن كشف الإنسان عن تفاصيل معتقداته واجتهاداته الخاصة أمام كل أحد، قد يفتح عليه أبواب العداوة من الأضداد والمخالفين.
3. المال (الثروة): إن كشف قدر ماله للناس، استحقروه إن كان قليلاً، وحسدوه وبغوا عليه إن كان كثيراً.
نداء إلى “المذاييع الغر”
يوجه ابن الجوزي نداءً حاراً لكل من لا يملك زمام لسانه، فيسميهم “المذاييع الغر”؛ وهم الذين لا يستطيعون حمل أسرارهم، فيفشونها إلى من لا يصلح لحفظها. ويختم نصيحته بكلمات تكتب بماء الذهب: “ورب كلمة جرى بها اللسان هلك بها الإنسان”.
إن المسلم المعاصر، في زمن منصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت منابر للتباهي والثرثرة بكل تفاصيل الحياة، أحوج ما يكون إلى هذا الأدب النبوي والتربوي. إن نشر كل نعمة، من طعام وشراب ورحلة ونجاح، أمام القريب والبعيد، ليس من شكر النعمة في شيء إذا كان الدافع هو الفخر أو المباهاة، بل هو استجلاب للعين وفتح لأبواب الحسد.
الخاتمة: كيف نوازن؟
إن التوازن هو سمة هذا الدين العظيم. فكن شاكراً بلسانك وقلبك، معترفاً بفضل الله عليك في خلواتك وجلواتك، وأظهر أثر نعمة الله عليك في ثيابك وهيئتك وتصدقك، لكن كن حذراً فطيناً. لا تجعل حياتك كتاباً مفتوحاً لكل حاسد ومبغض، واعلم أن كتمان بعض النعم هو من تمام شكرها، لأنك بذلك تحفظها من الزوال.
اجعل حديثك بالنعم موجهاً لمن يحبك بصدق، ولمن يستبشر بخيرك، واجعل الغاية دائماً هي الثناء على المنعم سبحانه، لا التعالي على الخلق. نسأل الله تعالى أن يوزعنا شكر نعمته، وأن يحفظ علينا عطاءه، ويعيذنا من شر كل حاسد إذا حسد.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اترك تعليقاً