التمكين في باطن المنع: كيف يصنع الدعاة النصر وقت التضييق؟

# التمكين في باطن المنع: رسالة الثبات والفتح في زمن التضييق

إن طريق الدعوة إلى الله عز وجل ليس طريقاً مفروشاً بالورود والرياحين، بل هو طريق محفوف بالمكاره، مليء بالابتلاءات التي تمحص القلوب وتصفي الصفوف. ومن أعظم الابتلاءات التي قد يواجهها الداعية في مسيرته هو “المنع”؛ منع الكلمة، وتضييق الخناق، وإغلاق المنابر. لكن المتأمل في سنن الله الكونية وتاريخ الأنبياء والصالحين يدرك حقيقة كبرى: أن المنع في ظاهره عذاب، وفي باطنه رحمة وتمكين.

مدرسة النبوة: من ضيق مكة إلى سعة الأنصار

تتجلى لنا أعظم الدروس في سيرة المصطفى -صلى الله عليه وسلم-. فبعد رحلته المريرة إلى الطائف، وما لاقاه فيها من صد وإيذاء، عاد النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى مكة ليجد أبوابها قد أُغلقت في وجهه. لم يدخل مكة إلا في جوار المطعم بن عدي، وكان ذلك مقروناً بشرط قاصٍ: المنع من دعوة أهل مكة جهراً!

استمر هذا المنع من العام العاشر للبعثة وحتى الهجرة في العام الثالث عشر. ثلاث سنوات من التضييق والمنع الظاهري، لكن هل توقفت الدعوة؟ حاشا لله. لقد انتقل النبي -صلى الله عليه وسلم- بمشروعه الدعوي إلى مرحلة جديدة؛ مرحلة عرض الدعوة على القبائل في مواسم الحج، مع التركيز الشديد على تثبيت من آمن به من الرعيل الأول.

لقد كان هذا المنع هو البوابة التي ساق الله من خلالها الأنصار. فبينما كان أهل مكة يظنون أنهم وأدوا الدعوة بمنعها، كان الله يهيئ يثرب لتكون منطلق الدولة والتمكين. وهكذا انتقلت الدعوة من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة القوة والمنعة، مما يثبت أن التمكين غالباً ما يولد من رحم المنع.

فقه الداعية في أوقات المنع والتضييق

عندما تضيق السبل وتغلق الأبواب أمام الداعية، يظن البعض أن العمل قد توقف، وهذا خطأ فادح في الفهم. إن ما يريده الله من الدعاة عند منعهم ليس الاستسلام أو اليأس، بل هو العودة إلى الجذور الإيمانية والتركيز على مقومات الثبات:

1. الإكثار من العبادة والافتقار: إن المنع هو وقت “الخلوة مع الله”. الصلاة، الذكر، الدعاء، وإظهار الافتقار التام للخالق هي الوقود الذي يضمن عدم انطفاء جذوة الإيمان في القلب.
2. الثبات على الحق: المنع هو الاختبار الحقيقي للمبادئ. فالثبات في زمن الفتنة هو الذي يميز الصادق من المدعي.
3. البحث عن منافذ بديلة: لا توجد قوة على وجه الأرض تستطيع منع داعية يريد الله منه تبليغ رسالة. إذا أُغلق المنبر الميداني، فُتحت منابر أخرى.

إبداع الوسائل: الدعوة لا تعرف التوقف

إن الدعوة التي يريدها الله هي تلك التي تنبع من الإخلاص، وليست تلك المرتبطة بالظهور أو الشهرة. قد تتغير صور العمل الدعوي حسب مقتضيات الحال:

  • من العلن إلى الخفاء: كما كانت الدعوة في دار الأرقم بن أبي الأرقم، قد تعود الدعوة إلى البيوت والمجالس الضيقة لتصنع جيلاً عقائدياً صلباً.
  • من الميدان إلى الفضاء الرقمي: في عصرنا الحالي، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي منافذ لا يمكن سدها بالكامل. يمكن للداعية أن يوصل صوته للعالم أجمع وهو في بيته.
  • من المشافهة إلى الكتابة: كم من عالم مُنع من التدريس، فخلّد علمه في كتب ومجلدات بقيت نبراساً للأمة قروناً طويلة.
  • العمل بغير الأسماء الصريحة: إذا كان المقصود هو وصول الحق، فلا يهم من هو القائل. الإخلاص يقتضي أن يعمل الداعية لله، سواء عُرف اسمه أو جُهل.

مأساة القياس الخاطئ وفتنة الحزن المبالغ

من الأخطاء الاستراتيجية التي يقع فيها بعض الدعاة هو قياس حجم إنجازهم في زمن المنع بمقاييس زمن الفتح والانتشار. هذا القياس يورث إحباطاً وحزناً مبالغاً فيه قد يؤدي إلى القعود عن العمل بالكلية.

إن العبرة ليست بالأرقام المجردة، بل بالامتثال لأمر الله وبذل المستطاع. إن الواحد الذي تؤثر فيه في زمان الضعف والقهر، قد يكون أجره وأثره عند الله أعظم من آلاف المتأثرين في زمان الرخاء والتمكين. في زمن المنع، تصبح الكلمة الواحدة ثقيلة في الميزان، لأنها خرجت في وقت عز فيه الناصر.

الإمام أحمد بن حنبل: نموذج الثبات والبركة

يقدم لنا تاريخنا الإسلامي نموذجاً فذاً في التعامل مع المنع، وهو الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله-. فقد مُنع الإمام من التعليم والتدريس لمدة تزيد عن 23 عاماً خلال محنة خلق القرآن وما بعدها.

هل اعتزل الإمام العمل؟ هل استسلم لليأس؟ أبداً. لقد انشغل في سنوات منعه بتأليف كتابه العظيم “المسند”، وانبرى لتربية وتدريس أهل بيته ومن تحت سلطانه، مثل ابنيه صالح وعبد الله، وابن عمه حنبل.

لقد قال لابنه عبد الله كلمة خلدها التاريخ: “احتفظ بهذا المسند فإنه سيكون للناس إماما”. وبالفعل، ذهب المانعون، وذهبت دولتهم وجبروتهم، وبقي علم الإمام أحمد يدرس في مشارق الأرض ومغاربها إلى يومنا هذا. هذا هو الفتح الذي يأتي من باطن المنع؛ إخلاص وثبات وعبادة مع بذل المستطاع، والنتيجة هي البركة والقبول.

الخاتمة: أقدار الله واختياره للدعاة

إن الله عز وجل إذا اختار عالماً أو داعية ليكون منارة للناس، فإنه يسلط عليه أقداره المختلفة؛ تارة بالبسط والفتح، وتارة بالقبض والمنع. والموفق هو من عرف مراد الله منه في كل حال، فقابل المنع بالثبات، والتضييق بالابتكار، والوحدة بالعبادة.

تذكر دائماً أيها الداعية أن البركة والفتح والعطاء كلها كامنة في باطن هذا المنع الذي تراه. فما كان لله دام واتصل، وما كان لغيره انقطع وانفصل. فاستعن بالله ولا تعجز، واعلم أن خيوط الفجر تبدأ في التشكل في أشد ساعات الليل ظلمة.

الخلاصة:
المنع لا يعني النهاية، بل يعني الانتقال بالعمل إلى مستوى أعمق وأكثر إخلاصاً. الثبات على الحق والبحث عن البدائل المتاحة مع كمال الافتقار لله هي المعادلة الذهبية لتحويل المحنة إلى منحة، والمنع إلى تمكين لا يزول.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *