"الرؤوس الجهال" وفوضى الفتاوى: كيف اختُطف الخطاب الديني على المنصات الرقمية؟
لم يعد الوصول إلى الفتوى يتطلب السعي إلى دوائر العلم ومجالسة العلماء في الحلقات التقليدية؛ ففي عصر الفضاء الرقمي المفتوح، باتت "ضغطة زر" كفيلة بتنصيب أشخاص غير مؤهلين كمرجعيات دينية، يتصدرون المشهد لإصدار أحكام شرعية في بيئة تفتقر إلى الضوابط والمرجعيات الواضحة. هذا التحول الجذري في الخطاب الديني كان محور نقاش معمق في برنامج "الشريعة والحياة في رمضان".
ظاهرة "الرؤوس الجهال" وتحديات العصر الرقمي
خلال استضافته في حلقة البرنامج المذاعة على منصة الجزيرة 360، سلط الدكتور محمد الصغير (رئيس الهيئة العالمية لأنصار النبي ﷺ) الضوء على نبوءة نبوية بدأت تتحقق ملامحها في واقعنا المعاصر. استشهد الصغير بالحديث الشريف: "إنَّ اللهَ لا يقبضُ العلمَ انتزاعًا ينتزعُه، ولكنْ يقبضُ العلمَ بقبضِ العلماء… اتخذ الناسُ رؤوسًا جهالًا، فأفتوا بغيرِ علمٍ فضلُّوا وأضلُّوا".
وأوضح الصغير أن المشكلة ليست في موت العلماء كقدر محتوم، بل في غياب الرسوخ العلمي لدى الأجيال اللاحقة، مما فتح الباب أمام فئتين لتصدر المشهد:
- المتسبّبون رقمياً: من اتخذوا من الوسائط الرقمية باباً للرزق والتكسب.
- راكبو الترند: الذين يسعون للانتشار السريع دون امتلاك التأهيل العلمي الكافي.
الحرب على السنة: البوابة الخفية لهدم الثوابت
توقف الدكتور الصغير عند قضية استراتيجية تمس جوهر العقيدة، وهي ما وصفه بـ "الحرب الممنهجة على السنة النبوية". وأكد أن استهداف شخصيات مثل أبي هريرة والسيدة عائشة رضي الله عنهما ليس مجرد اختلاف فقهي، بل هو خطة تدرجية تهدف إلى:
- إسقاط السنة النبوية باعتبارها الشارح الأول للقرآن.
- جعل القرآن الكريم عرضة للتأويلات الشخصية بعد عزل بوابته (السنة).
وشدد الصغير على ضرورة الدقة في المصطلحات، رافضاً تسمية هؤلاء بـ "القرآنيين"، بل وصفهم بـ "أعداء السنة" الذين خرجوا عن منهج أهل السنة والجماعة.
مسؤولية المتلقي وخارطة طريق للإصلاح
أمام هذا الزخم الرقمي غير المنضبط، ألقى الصغير بالمسؤولية على عاتق المتلقي، مستحضراً القاعدة الذهبية: "إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم". ودعا الجمهور إلى التوقف عن اتخاذ الشهرة أو العناوين المثيرة معياراً للعلم.
وفي سياق الإصلاح، دعا العلماء والراسخين في العلم إلى:
- التواجد المنظم: ضرورة اقتحام المنصات الرقمية بخطاب مؤسسي ورصين.
- الاحترافية التقنية: الاستعانة بفرق مساندة لإيصال المحتوى الشرعي بقوالب عصرية.
- ترسيخ البصيرة: مواجهة فوضى الفتاوى لا تكون بالحجب أو المنع، بل بترسيخ معايير العلم الحقيقي وتعزيز وعي الناس.
ختاماً، يبقى إصلاح الخطاب الديني في الفضاء الافتراضي أمانة مشتركة بين عالم يمتلك الرسوخ، ومتلقٍ يمتلك الوعي والتحري، لضمان حماية الدين من عبث "الرؤوس الجهال".
المصدر: الجزيرة


اترك تعليقاً