الربا وذيوله: احذر الحرب التي أعلنها الله ورسوله

مقدمة: حرمة الأموال وأمانة الاكتساب

لقد كثرت المعاملات في عصرنا الحاضر، وازدادت تشعباً عما كانت عليه في السابق، واختلط فيها الحلال بالحرام، وشابها ما شابها من محاولات التجويز والتحليل، أو التحذير والتحريم. إن الأصل في المعاملات الدنيوية هو الجواز والإباحة، إلا ما ورد نص صريح بتحريمه على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم. غير أننا حين نتحدث عن الأموال، يجب أن نستحضر أن الأصل فيها الحرمة حتى يثبت حلها بطريق شرعي؛ فقد وقف النبي صلى الله عليه وسلم في أعظم مشهد، في حجة الوداع، ليقرر قاعدة خالدة تحفظ للمجتمع توازنه، فقال صلى الله عليه وسلم: «إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا» (رواه مسلم).

إن هذا التأكيد النبوي بربط حرمة المال بحرمة الزمان والمكان (يوم الأضحى، وشهر ذي الحجة، والبلد الحرام) يدل دلالة قاطعة على عظمة شأن المال في الإسلام. ولكن، يا للأسف! نرى الناس اليوم يجرون وراء الدنيا كل مجرى، يتخبطون في المكاسب دون تمحيص، فتجد أحدهم يدخل في المعاملة المالية، ويوقع العقود، ثم بعد أن يقع الفأس في الرأس، يأتي ليسأل: هل هذا حلال أم حرام؟ وبعضهم بلغت به الجرأة أن يسأل بحثاً عن «فتوى» تشرعن له مراده، فإن وجدها فبها ونعمت، وإن لم يجدها مضى في غيه غير مكترث بوعيد الله.

ماهية الربا: الداء العضال وأنواعه

إن المعاملة التي نحن بصدد التحذير منها، والتي وصفها الله بأنها حرب، هي معاملة الربا. والربا في اللغة هو الزيادة، وفي الشرع يتمثل في صور عدة، منها «ربا الفضل»؛ وهو أن تستدين درهماً بشرط رده درهمين، أو ديناراً بدينارين، أي الزيادة المحضة في الجنس الواحد. وهناك أيضاً «ربا النسيئة»؛ وهو التأجيل في بيع النقدين، أو المطعومات الستة (التمر، الملح، القمح، الشعير) إذا بيعت بجنسها، فإذا اختلفت الأجناس جاز التأجيل والزيادة، أما في الجنس الواحد فالمنع هو الأصل.

فاحذروا يا عباد الله، واسألوا عن دينكم قبل أن تقعوا في شباك المحرمات. إن المعاملات المحرمة في ديننا محصورة ومحدودة وقليلة، بينما أبواب الحلال واسعة لا تنتهي، فاتقوا الله ولا تضيقوا على أنفسكم بالوقوع فيما حذر الله منه.

الوعيد القرآني: قيام كالمصروع وحرب لا تبقي ولا تذر

لقد جاء التحذير الإلهي من الربا بلهجة شديدة تهز القلوب الحية؛ قال سبحانه وتعالى في وصف آكلي الربا يوم القيامة: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ} [البقرة: 275]. انظر إلى هذا المشهد الرهيب، إنسان يقوم ويسقط كالمصروع أو الممسوس، كلما حاول النهوض خذلته قواه، جزاءً وفاقاً على تخبطه في الدنيا بأكل أموال الناس بالباطل.

ولما حاول المرابون تبرير فعلهم بقولهم: {إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا}، رد الله عليهم رداً حاسماً: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}. ثم فتح الله باب التوبة لمن انتهى، أما من أصر وعاد، فالوعيد هو الخلود في النار ومحق البركة: {يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ}.

ثم يوجه الله نداءه للمؤمنين خاصة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}. تأمل يا عبد الله، إنها ليست حرباً من بشر، ولا من دول عظمى، بل هي حرب من خالق السماوات والأرض. فمن ذا الذي يطيق الوقوف أمام غضب الجبار؟ إن الربا قد يبدأ بفرح وسرور حين يقبض المرء القرض ويضعه في جيبه، لكن عاقبته حتماً ستكون حزناً وحسرة وندامة، كما قال صلى الله عليه وسلم: «الربا وإن كثُر، فإن عاقبته تصير إلى قُلٍّ» (رواه أحمد).

أبواب الربا السبعون: قبح الجريمة وشناعة العقوبة

للربا ذيول وأبواب لا يتخيلها العقل، فهو ليس مجرد زيادة في مال، بل هو منظومة من القبح والآثام. فعن عبدالله بن مسعود رضي الله عنه، قال صلى الله عليه وسلم: «الربا ثلاثة وسبعون باباً، أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه، وإن أربى الربا عرض الرجل المسلم» (رواه الحاكم).

يا لله! هل يتصور عاقل أن درهماً واحداً من الربا قد يكون أشد عند الله من ستة وثلاثين زنية؟ قال صلى الله عليه وسلم: «درهم ربًا يأكله الرجل وهو يعلم أشد من ستة وثلاثين زنيةً» (رواه أحمد). إن هذه المقارنات النبوية لم تأتِ من فراغ، بل لتبين مدى القذارة المعنوية والجرم الكبير الذي يرتكبه المرابي في حق المجتمع وفي حق نفسه.

بل إن من ذيول الربا الوقوع في أعراض المسلمين بالغيبة والنميمة، فاعتبرها النبي صلى الله عليه وسلم من أربى الربا. فكيف يستهين الناس اليوم بالكلمة يلقونها في عرض أخيهم، وهي عند الله بمثابة الربا الفاحش؟

العقاب العام: حين يعم البلاء بسبب الفساد المالي

إن خطورة الربا لا تقتصر على الفرد فحسب، بل تتعدى لتشمل المجتمع بأسره. فإذا ظهر الربا وفشا في قوم، فقد استحقوا العقاب الإلهي الجماعي. قال صلى الله عليه وسلم: «ما ظهر الربا والزنا في قوم إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله عز وجل» (رواه أحمد).

انظروا إلى حالنا اليوم، أليس ما نعيشه من ضيق في الأرزاق، وخراب للديار، والحجر على المنازل، والديون التي تلاحق الناس إلى السجون، هو أثر من آثار هذا الربا؟ عندما يصبح الربا مقنناً، وتوضع له الأنظمة، ويجد من يدافع عنه، فانتظروا العذاب الذي يعم ولا يخص. إن المتعامل بالربا، سواء كان آكلاً أو مؤكلاً (معطياً)، أو كاتباً للعقد، أو شاهداً عليه، كلهم في الإثم سواء، كما ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «لعن آكل الربا، ومؤكله، وكاتبه، وشاهديه، وقال: هم سواء».

مشهد العذاب في البرزخ: السباحة في نهر الدم

لم يكتفِ الشرع بالتحذير من عذاب الآخرة، بل كشف لنا عما ينتظر المرابي في قبره. ففي حديث الرؤيا الطويل الذي رواه البخاري، رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً يسبح في نهر أحمر مثل الدم، وعلى شط النهر رجل عنده حجارة كثيرة، فكلما أراد السابح (آكل الربا) أن يخرج من ذلك النهر القذر، رماه الرجل بحجر في فمه (فغره له)، فيعود إلى وسط النهر، وهكذا يُفعل به إلى يوم القيامة.

تخيل هذا العذاب المستمر؛ حرارة الدم، ورائحته الكريهة، وحجارة تُلقم في الفم بقوة تحطم الأسنان والفكين. هذا هو جزاء من لم يكتفِ بالحلال، وأراد أن يمتص دماء الناس وأموالهم بالربا والزيادة الفاسدة.

الخاتمة: العودة إلى الله والبحث عن البركة

أيها الناس، إن الربا هو طريق الزوال المحتم، والصدقة والزكاة هما طريق النماء والبركة. قال تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ} [الروم: 39]. إن أردت أن يبارك الله في مالك، فتعامل معه سبحانه بالصدقات، فإن كثرة تقديم اللقم تزيل النقم، وأما الربا فلا يزيد المال إلا محقاً وخراباً.

علينا أن نحذر من السبل السهلة التي تروج للربا عبر شبكات التواصل أو المؤسسات التي لا ترقب في مؤمن إلاً ولا ذمة، وهمها الوحيد هو جمع المال. توبوا إلى الله، واستغنوا بحلاله عن حرامه، وبفضله عمن سواه.

وصلوا وسلموا على النبي المصطفى الذي حذرنا من كل شر، ودلنا على كل خير، فقد أمركم الله بذلك في كتابه فقال: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب: 56].

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *