السباق نحو القمر: لماذا تهرع القوى الكبرى لاستعمار “القارة الثامنة” الآن؟

السباق نحو القمر: لماذا تهرع القوى الكبرى لاستعمار “القارة الثامنة” الآن؟

عودة الطموح الكوني: أكثر من مجرد بصمة قدم

بعد مرور أكثر من نصف قرن على اللحظة التاريخية التي خطت فيها البشرية أولى خطواتها على سطح القمر، يجد العالم نفسه اليوم في خضم فصيل جديد ومثير من السباق نحو القمر. هذا السباق لا يهدف هذه المرة إلى مجرد إثبات القدرة على الوصول ورفع الأعلام، بل يمتد ليشمل طموحات جيوسياسية واقتصادية غير مسبوقة تسعى لتحويل الجار الأقرب للأرض إلى منصة انطلاق دائمة للبشرية.

واشنطن وبكين: صراع الأقطاب فوق الفضاء السحيق

تتصدر الولايات المتحدة والصين هذا المشهد التنافسي، حيث تتبنى كل منهما رؤية استراتيجية طويلة الأمد. تقود وكالة ناسا برنامج “أرتميس” الذي يهدف لإعادة رواد الفضاء الأمريكيين، بما في ذلك أول امرأة وأول شخص ملون، إلى القطب الجنوبي للقمر. في المقابل، تتقدم الصين بخطى واثقة عبر برنامجها الطموح لاستكشاف القمر، محققة نجاحات متتالية في الهبوط الآلي وجمع العينات.

لكن الجوهر الحقيقي لهذا التنافس يكمن في بناء قواعد دائمة؛ حيث تسعى القوى الكبرى إلى تأمين تواجد بشري مستدام يضمن لها التفوق التكنولوجي والمكانة المرموقة في النظام العالمي الجديد الذي لم يعد مقتصرًا على حدود كوكب الأرض.

لماذا نعود الآن؟ كنز الموارد والمكانة الاستراتيجية

يثور تساؤل جوهري: لماذا عاد الاهتمام بالقمر الآن؟ الإجابة تكمن في “الجائزة الكبرى”. القمر ليس مجرد صخرة قاحلة، بل هو مخزن لموارد هائلة، أهمها الجليد المائي المكتشف في الفوهات المظلمة عند القطبين، والذي يمكن تحويله إلى أكسجين للتنفس وهيدروجين كوقود للصواريخ، مما يجعل القمر “محطة وقود” حيوية للرحلات المتجهة إلى المريخ.

بالإضافة إلى ذلك، يزخر القمر بمعادن نادرة وعنصر “الهيليوم-3” الذي يُنظر إليه كوقود مستقبلي نظيف لمفاعلات الاندماج النووي. إن السيطرة على هذه الموارد تعني امتلاك مفاتيح الطاقة والاقتصاد في القرن القادم.

خمسون عاماً من الغياب: فجوة التكنولوجيا والسياسة

قد يتساءل البعض عن سبب استغراق كل هذا الوقت للعودة. الحقيقة أن انتهاء الحرب الباردة أدى إلى تراجع الزخم السياسي والتمويل الضخم الذي حظي به برنامج “أبولو”. ومع ذلك، فإن القفزة النوعية في تقنيات الروبوتات، والطباعة ثلاثية الأبعاد، وانخفاض تكاليف الإطلاق بفضل دخول الشركات الخاصة مثل “سبيس إكس”، جعلت من فكرة الاستيطان القمري أمراً ممكناً من الناحية الاقتصادية والتقنية اليوم أكثر من أي وقت مضى.

نحو مستقبل قمري دائم

إن السباق نحو القمر الحالي يمثل فصلاً جديداً من تاريخ البشرية، حيث يتحول الفضاء من ساحة للمغامرة إلى ساحة للاستثمار والبقاء. ومع اقتراب المواعيد النهائية للبعثات المأهولة المقررة في العقد الحالي، يترقب العالم من سيفوز بريادة هذه القارة الثامنة، ومن سيضع قواعد الاشتباك والتعاون فوق سطح القمر.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *