مقدمة: البحث عن الملاذ الآمن
في عالمٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتلاطم فيه أمواج الماديات، وتزداد فيه ضغوط الحياة وصخبها، يجد الإنسان نفسه في بحثٍ دائم ومستمر عن مرفأٍ آمنٍ يأوي إليه، وعن لحظة صدقٍ يستعيد فيها توازنه النفسي والروحي. إن هذا البحث ليس ترفاً فكرياً، بل هو حاجة فطرية متجذرة في أعماق النفس البشرية. وفي رحاب الإسلام العظيم، نجد أن مفهوم السكينة والطمأنينة في الإسلام ليس مجرد حالة عابرة، بل هو ثمرة إيمانية ناضجة ومنهج حياة متكامل يربط الأرض بالسماء، والعبد بخالقه جل وعلا.
أولاً: مفهوم السكينة في القرآن الكريم
لقد ورد ذكر السكينة في القرآن الكريم في مواطن عدة، وفي كل موطن كانت تأتي كبلسمٍ يداوي القلوب الجريحة ويشد من أزر النفوس المؤمنة في أحلك الظروف. يقول الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) [الرعد: 28]. هذه الآية العظيمة ترسم لنا الخارطة الأولى للسكينة؛ إنها ليست في تكديس الأموال ولا في نيل المناصب، بل في الاتصال بالخالق سبحانه وتعالى.
إن الطمأنينة الإيمانية هي سكون القلب إلى الله، وثباته عند ورود الشبهات والمحن. وهي الحالة التي وصفها الله عز وجل حين أنزل السكينة على رسوله وعلى المؤمنين في مواقف الشدة، فقال: (هُوَ الَّذِي أَنزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ) [الفتح: 4]. فالسَّكينة هنا هي الوقار والموالاة والرحمة التي يضعها الله في قلوب عباده الأصفياء.
ثانياً: الذكر.. غذاء الروح وباب الطمأنينة
يعتبر الذكر بمفهومه الشامل -من قراءة للقرآن، وتسبيح، ودعاء- هو الوقود اليومي لروح المؤمن. فالقلب الذي يغفل عن ذكر الله يصيبه الجفاف والوحشة، تماماً كالأرض التي انقطع عنها الغيث. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى حين قال: “مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه، مثل الحي والميت” (رواه البخاري).
ومن أهم ثمار الذكر في تحقيق السكينة:
- طرد الوساوس والشيطان: فالذكر حصن حصين يمنع تسلل الأفكار السلبية والمحزنة.
- استشعار المعية الإلهية: حين يعلم المؤمن أن الله معه، يتبدد خوفه من المستقبل وقلقه من المجهول.
- انشراح الصدر: فالكلمة الطيبة (لا إله إلا الله، سبحان الله) لها ترددات نورانية تغسل أدران القلوب.
ثالثاً: التوكل على الله وحسن الظن به
لا يمكن للسكينة أن تستقر في قلبٍ تتقاذفه الهموم بشأن الرزق أو الخوف من غدر الزمان، إلا إذا رسخ فيه مبدأ التوكل. التوكل هو الاعتماد الكلي على الله مع الأخذ بالأسباب. يقول الله تعالى: (وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ) [الطلاق: 3].
وعندما نتمعن في السيرة النبوية، نجد أعظم دروس السكينة في قصة الهجرة، حينما كان المشركون على باب الغار، فقال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: “يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا”، فأجابه النبي صلى الله عليه وسلم بقلبٍ يملؤه اليقين: “يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟”. هذه هي السكينة المحمدية التي تنبع من عمق اليقين بالله.
رابعاً: الصلاة.. قرة العين وراحة المؤمن
إن الصلاة في الإسلام ليست مجرد حركات رياضية أو طقوس خالية من المعنى، بل هي معراج الروح وموعدٌ دوري مع السلام. كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا حزبه أمر (أي أصابه هم أو غم) فزع إلى الصلاة، وكان يقول لبلال رضي الله عنه: “يا بلال، أرحنا بها”.
في السجود، يضع المؤمن جبهته على الأرض وهو في قمة العلو الروحي، يبث همومه لمن لا تخفى عليه خافية. هذا التفريغ الوجداني في حضرة القدوس يورث طمأنينة لا تضاهيها طمأنينة. إن الصلاة الخاشعة هي التي تمارس دور “الفلترة” النفسية من شوائب الحياة اليومية، حيث يخرج المصلي منها وقد تجددت روحه وانجلى همه.
خامساً: الرضا بالقضاء والقدر.. مفتاح السعادة القصوى
من أعظم أسباب اضطراب النفوس في العصر الحديث هو عدم الرضا بالمقسوم، والمقارنة المستمرة مع الآخرين. وهنا يأتي الإيمان بالقدر كصمام أمان يحمي الإنسان من الانهيار النفسي. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “عجبًا لأمرِ المؤمنِ، إنَّ أمرَه كلَّه خيرٌ، وليس ذاك لأحدٍ إلا للمؤمنِ، إن أصابته سراءُ شكرَ فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراءُ صبرَ فكان خيرًا له” (رواه مسلم).
هذه الرؤية الوسطية تجعل المؤمن متوازناً؛ فلا يبطره الفرح في الرخاء، ولا يسحقه الحزن في البلاء. إنه يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وهذا اليقين هو عين السكينة.
سادساً: أثر العمل الصالح والخلق الحسن في استقرار النفس
الإسلام لا يفصل بين الروحانية والسلوك. فالإنسان الذي يسعى في حاجة الناس، ويمسح على رأس اليتيم، ويتصدق بماله، يشعر براحة نفسية عجيبة. إن العطاء يحرر الإنسان من سجن “الأنا” الضيق إلى فضاء الرحمة الواسع. يقول الله تعالى: (مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) [النحل: 97]. هذه “الحياة الطيبة” هي في جوهرها حياة الطمأنينة والرضا بما قسم الله.
خاتمة: دعوة للتصالح مع الذات ومع الخالق
إن السكينة والطمأنينة ليست بضاعة تشترى بالمال، ولا هي هبة تُمنح للغافلين، بل هي ثمرة جهدٍ جهيد في تزكية النفس، وإقبالٍ صادق على الله عز وجل. إننا ندعو كل إنسان أرهقته الحياة، وأثقلت كاهله الهموم، أن يجدد صلته بخالقه، وأن يجعل من ذكره وقرآنه وصلاة ليله مأوىً لقلبه.
تذكر دائماً أن الله الذي خلقك أعلم بما يصلح لقلبك، وقد جعل مفاتيح سعادتك بين يديك من خلال اتباع هديه. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ) [يونس: 57]. فاجعل قلبك عامراً بالإيمان، ولسانك رطباً بالذكر، وستجد السكينة تحف بك من كل جانب، وتملأ حياتك نوراً وضياءً.

اترك تعليقاً