السودان والمنظومة الإفريقية: سياق الأزمة الراهنة
يحتل السودان موقعاً جيوسياسياً واستراتيجياً حيوياً داخل القارة السمراء، حيث يُنظر إليه تاريخياً كجسر رابط بين العالم العربي وإفريقيا جنوب الصحراء. إلا أن هذا الموقع بات اليوم بؤرة اهتمام إقليمي ودولي جراء الانسداد السياسي الحاد الذي تلا إجراءات أكتوبر 2021، وما أعقبه من اندلاع النزاع المسلح الدامي في أبريل 2023. إن فهم أبعاد الأزمة السودانية يتطلب بالضرورة قراءة دقيقة لعلاقة الخرطوم بالاتحاد الإفريقي، الذي علّق عضوية البلاد رداً على تعثر المسار الديمقراطي.
تجميد العضوية وتداعيات حرب أبريل
اتخذ مجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الإفريقي قراراً بتجميد مشاركة السودان في كافة أنشطة المنظمة القارية، وهو قرار استند إلى المبادئ الدستورية للاتحاد التي ترفض التغييرات غير الدستورية للحكومات. ومع انفجار المواجهات العسكرية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، تعقدت مهمة المنظمة في استعادة المسار الانتقالي. لقد أدى استمرار الحرب إلى تآكل مؤسسات الدولة ونشوء أزمة إنسانية وصفت بالأكبر عالمياً، مما جعل من قضية استعادة العضوية تتجاوز الإجراءات القانونية لتصبح مرتبطة بوجود الدولة السودانية ذاتها وتماسكها.
الوساطة الإفريقية: بين المبادرات القارية والتعقيدات الميدانية
يتبنى الاتحاد الإفريقي رؤية تقوم على مبدأ “الحلول الإفريقية للمشاكل الإفريقية”، ومن هذا المنطلق، انخرطت المنظمة في جهود وساطة متعددة شملت تشكيل لجنة رفيعة المستوى معنية بالسودان. يرى المحللون أن الاتحاد الإفريقي يواجه تحدياً متمثلاً في موازنة الضغوط الدولية مع الضرورات الإقليمية، حيث تصر المنظمة على ضرورة العودة إلى الحكم المدني كشرط أساسي لرفع التعليق. في المقابل، تتباين ردود الأفعال الداخلية في السودان تجاه هذه المبادرات؛ فبينما يراها البعض طوق نجاة لتدويل الحل الإفريقي، يتخوف آخرون من تداخل الأجندات الإقليمية وتأثيرها على السيادة الوطنية.
آفاق الحل وإعادة بناء الدولة السودانية
إن الطريق نحو إعادة بناء الدولة السودانية واستعادة دورها الريادي في الاتحاد الإفريقي يتطلب توافقاً وطنياً شاملاً يبدأ بوقف فوري لإطلاق النار وفتح ممرات إنسانية آمنة. كما يشدد الخبراء على أن استعادة المقعد السوداني في أديس أبابا ليست مجرد خطوة بروتوكولية، بل هي اعتراف دولي بعودة الشرعية والاستقرار. ختاماً، يظل الاتحاد الإفريقي شريكاً لا غنى عنه في أي عملية سياسية مستقبلية، شريطة أن تنجح القوى السودانية في صياغة رؤية موحدة تنهي حالة الحرب وتضع اللبنات الأولى لدولة المؤسسات والقانون.
المصدر: TRT


اترك تعليقاً