سياق الأزمة المتفاقمة في السودان
دخل الصراع المسلح في السودان مرحلة جديدة من التصعيد الميداني والسياسي، مخلفاً وراءه أزمة إنسانية تُصنف ضمن الأشد وطأة عالمياً. ومع استمرار العمليات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، تتزايد الكلفة البشرية يوماً بعد يوم، حيث تظل الفئات الأكثر هشاشة، ولا سيما الأطفال، في مرمى النيران المباشرة والتبعات غير المباشرة للنزاع.
إحصائيات أممية صادمة: الأطفال في قلب النزاع
كشفت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف) في تقريرها الأخير عن مقتل ما لا يقل عن 20 طفلاً في السودان خلال شهر يناير/كانون الثاني الماضي وحده. وأوضحت المنظمة أن هؤلاء الضحايا سقطوا جراء الأعمال العدائية المستمرة، محذرة من أن هذه الأرقام تمثل الحد الأدنى الذي تم التحقق منه، بينما قد تكون الأعداد الفعلية أعلى بكثير نتيجة لصعوبة الوصول إلى مناطق النزاع النشطة.
وأشارت المنظمة الدولية إلى أن العنف المسلح لا يهدد حياة الأطفال فحسب، بل يدمر البنية التحتية الأساسية من مدارس ومرافق صحية، مما يحرم الملايين من حقهم في التعليم والعلاج ويضع جيلاً كاملاً أمام خطر الضياع.
الموقف السياسي والعسكري: البرهان يتمسك بخيار الحسم
على الصعيد السياسي والعسكري، جدد رئيس مجلس السيادة السوداني والقائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، موقفه المتصلب تجاه أي مبادرات للهدنة أو السلام في الوقت الراهن. وفي تصريحات حازمة، أكد البرهان رفضه التام لعقد أي اتفاق مع من وصفهم بـ”القتلة والنهابين والمهجرين للشعب السوداني”.
وشدد البرهان على أن القوات المسلحة ماضية في طريقها حتى إنهاء التمرد، معتبراً أن أي سلام لا يضمن استرداد كرامة المواطن ومحاسبة المتورطين في الانتهاكات الجسيمة هو سلام منقوص ولا يمثل إرادة الدولة السودانية. وتعكس هذه التصريحات اتساع الفجوة بين طرفي النزاع وصعوبة التوصل إلى تسوية سياسية قريبة في ظل تمسك كل طرف بشروطه المسبقة.
تحليل التداعيات والمآلات الإنسانية
يرى مراقبون أن تزامن التقارير الأممية حول ضحايا الحرب مع التصريحات السياسية التصعيدية ينذر باستمرار المعاناة الإنسانية لفترة أطول. فبينما تسعى المنظمات الدولية لفرض حماية للمدنيين وتأمين ممرات إنسانية، يصطدم هذا السعي بالواقع العسكري المعقد الذي يفتقر لبوادر التهدئة.
إن إصرار القيادة العسكرية على حسم المعركة ميدانياً، يقابله تحدٍ دولي في كيفية الضغط لوقف الانتهاكات ضد المدنيين، وهو ما يضع المجتمع الدولي أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية لتكثيف الجهود الدبلوماسية لمنع انزلاق البلاد نحو مجاعة شاملة أو انهيار كلي للدولة.
خاتمة
يبقى الوضع في السودان رهيناً بالتجاذبات العسكرية والسياسية، بينما يواصل المدنيون، وخاصة الأطفال، دفع الثمن الأكبر لهذه الحرب. ومع غياب أفق واضح للسلام، تظل التقارير الإنسانية تذكيراً دائماً بضرورة تغليب المصلحة الوطنية وحماية الأجيال القادمة من ويلات النزاع المسلح.
المصدر: TRT


اترك تعليقاً