الشهرة الحقيقية: هل أنت معروف في السماء أم مجهول في الأرض؟

مقدمة: ضجيج الشهرة في زمن الصورة

أيها المسلمون؛ في عصرنا هذا، غدت البيوت والتجمعات لا تخلو من حديثٍ صاخب عن “الإعلامي فلان” أو “المشهورة فلانة”. لقد تحول هؤلاء إلى رموزٍ تُسلط عليهم الأضواء، وتُلاحقهم الأعين في كل حركةٍ وسكنة. يظهرون في فضاء الإعلام ليخطفوا أنظار المتابعين، يتحدثون أحياناً كالسماسرة لترويج سلعة، أو يدعون لحفل غنائي صاخب، أو مهرجانٍ كبير، لا يجنِي منه الحاضر والمشاهد إلا غفلةً تلو غفلة، وبُعداً عن منهج الله.

وربما تمادى هؤلاء المشاهير في استعراض قضايا أسرية خاصة، لا تزيد الأسر إلا تشتتاً وفرقة، أو تراهم يبذرون أموالهم في مسابقاتٍ برّاقة هدفها الوحيد زيادة عدد المتابعين ورفع نسب المشاهدة. يستعرضون تفاصيل حياتهم اليومية، ما بين ضحكٍ مصطنع ومزاحٍ لا يمت لواقع حياتهم بصلة، يقودون المتابعين حيث شاؤوا، والمتابعون -للأسف- معجبون، ينظرون إليهم بنظرة إعجاب وتمنٍّ، حتى وإن كان المشهور فاسقاً أو فاجراً أو حتى كافراً. لقد توهم الكثيرون أن هذه المهنة هي عنوان السعادة، ومجلبة الرزق، والطريق المختصر للوصول إلى قلوب الناس، فهل هذه هي الحقيقة؟

فتنة حب الظهور وطبيعة النفس البشرية

إن الشهرة وحب الظهور خصلة كامنة في أعماق النفس البشرية، وهي سلاح ذو حدين؛ إما أن تقود العبد إلى شهرةٍ سماوية محمودة، أو إلى شهرةٍ أرضية مذمومة. وقد جاء ذكر الشهرة في الكتاب والسنة في معرض الذم والتحذير، والنهي عن تقصدها وطلبها؛ لما في ذلك من زهو النفس وعلوها، وتكبرها على أوامر الله ورسوله، وترفعها على عباد الله.

لقد تتابع ذكر هذا التحذير في نصوص الوحي تتابع المطر على الأرض المجدبة، ما بين آياتٍ محكمات وأحاديث نبوية شريفة، ومواعظ وقصص للعبرة؛ والهدف هو تغذية القلوب بالأهم لا بالأكثر، لأن النفوس بطبعها تميل للسير خلف الكثرة وإن كانت على باطل. قال جل وعلا محذراً: {وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَن سَبِيلِ اللّهِ} [الأنعام:116]، وقال سبحانه: {وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِين} [يوسف: 103].

انقلاب الموازين: عظيم عند الناس وضيع عند الله

أيها المسلمون؛ لم تكن الشهرة يوماً مقياساً للفضل، ولا عنواناً للسعادة، ولا مطلباً للنفوس المؤمنة الصادقة. ولكن، وللأسف، انقلبت الموازين في هذا الزمان، واختلفت المفاهيم تحت وطأة رياح الإعلام العقيم الذي يلقح القلوب بحب الظهور.

فيا لله! كم من إنسانٍ يُعد في نظر الناس عظيماً، مُقدماً في المحافل، يُشار إليه بالبنان، ولكنه عند أهل السماء مؤخرٌ وضيع! وفي المقابل، كم من ضعيفٍ فقير، رث الثياب، مدفوعٍ بالأبواب لا يُؤبه له، هو عند الله عظيم، ومقدم بين أهل السماء، لو أقسم على الله لأبره! لكنه في زحام الدنيا غريب بين أهل الأرض، وما ذلك إلا لجهل الناس بحقائق الأمور، وحبهم للعاجل وذهولهم عن الآجل.

نماذج من القرآن: فتنة المشاهير وأتباعهم

لقد وصف الله جل وعلا في كتابه الكريم موقفين عجيبين يبيّنان كيف يتأثر العوام بالمشهورين والمتصدرين، وكيف ينظرون إليهم بنظرة إعجاب وتمنٍّ دون تمييز بين حق وباطل:

الموقف الأول: فرعون وتضليل الجماهير

يقول الله جل وعلا عن فرعون وهو يخاطب قومه في تيهٍ وخيلاء: {قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلاَ تُبْصِرُون * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِّنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِين * فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ أَوْ جَاء مَعَهُ الْمَلاَئِكَةُ مُقْتَرِنِين}. انظر كيف استغل فرعون مظاهر القوة والشهرة الزائفة ليحقر من شأن نبي الله موسى، فماذا كانت النتيجة؟ قال تعالى: {فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِين} [الزخرف:51-54].

الموقف الثاني: قارون وبريق المادة

يقول جل وعلا عن قارون الذي فتن الناس بزينته: {فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيم} [القصص: 79]. ويعلق الإمام السعدي رحمه الله على حال هؤلاء المتابعين المعجبين بقوله: “وإن همة جعلت هذا غاية مرادها، ومنتهى مطلبها، لمن أدنى الهمم وأسفلها وأدناها، وليس لها صعود إلى المرادات العالية والمطالب الغالية”.

الشهرة الحقيقية في ميزان النبوة

الحمد لله القائل: {تِلْكَ الدَّارُ الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين} [القصص: 83]، والصلاة والسلام على نبينا محمد القائل: «رُبَّ أَشعَثَ أَغْبَرَ، مَدفُوعٍ بِالأَبواب، لو أَقسَمَ على اللهِ لأبَرّه» (رواه مسلم). أما بعد، فاتقوا الله عباد الله.

إن ثقافة الإعجاب بكل مشهور لم يخلُ منها زمن، حتى في عهد النبي ﷺ، لا لأنها حق، ولكن لأن النفس البشرية تنجذب للمظاهر لضعف إيمانها. لذا، حرص النبي ﷺ على تعليم أصحابه المعنى الحقيقي للشهرة، وضرب لهم أمثلة واقعية لغرس حقيقة أن العبرة بمكانة العبد عند الخالق لا عند المخلوق.

مشاهير السماء من الصحابة والتابعين

تأملوا في هذه النماذج التي قد لا يعرف الكثيرون تفاصيل حياتهم، لكن السماء اهتزت لأجلهم:
1. سعد بن معاذ رضي الله عنه: الذي اهتز عرش الرحمن لموته، وهو الذي لم يعمر في الإسلام إلا سنوات قليلة.
2. بلال بن رباح رضي الله عنه: العبد الحبشي الذي كانت قرع نعليه تُسمع في الجنة بين يدي النبي ﷺ، حين سأله: «بِمَ سَبقتَني؟».
3. المرأة السوداء: التي كانت تقمُّ المسجد (تنظفه)، لم تكن مشهورة بين الناس، لكن النبي ﷺ افتقدها وسأل عنها حين ماتت، وذهب وصلى على قبرها تكريماً لها.
4. البراء بن مالك رضي الله عنه: وصفه النبي ﷺ بأنه أشعث أغبر ذو طمرين، لو أقسم على الله لأبره.
5. الرجل المسلم الفقير: الذي قال عنه النبي ﷺ إنه خير من ملء الأرض من أشراف الناس الذين إذا خطبوا زُوجوا وإذا شفعوا شُفعوا.

أويس القرني: المشهور في السماء المجهول في الأرض

ومن أعظم الأمثلة التي ساقها لنا النبي ﷺ، قصة “أويس القرني”. رجل من أهل اليمن، كان غريباً بين الناس، رث البيت، قليل المتاع، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم. لم يكن يملك منصباً ولا جاهاً، لكنه كان براً بوالدته. أخبر النبي ﷺ عمر بن الخطاب وعلياً رضي الله عنهما عنه، وقال: «لو أَقْسَمَ على اللهِ لأَبَرَّه».

تخيلوا، عمر بن الخطاب الفاروق، يبحث عن أويس ليطلب منه أن يستغفر له! هذا هو الميزان الحقيقي؛ أويس الذي لم يكن يعرفه أهل الأرض، كان معروفاً باسمه ووصفه عند ملك الملوك وعند أهل السماء.

خاتمة: أين تضع قدمك؟

أيها المسلمون، إن العاقل هو من يبحث عن موقعه في ديوان الله، لا في سجلات المتابعين والمعجبين. الشهرة الحقيقية هي أن يحبك الله، فإذا أحبك نادى جبريل: “إن الله يحب فلاناً فأحبوه”، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض.

اجعل همك أن تكون تقياً، نقياً، خفياً، تعمل لوجه الله لا لثناء الناس. فكم من مغمور في الأرض هو عند الله أمير، وكم من مشهور في الدنيا هو عند الله فقير. فاتقوا الله واصلحوا ذات بينكم، واجعلوا الآخرة أكبر همكم ومبلغ علمكم.

اللهم اجعلنا ممن تواضع لك فرفعته، وأقبل إليك فقبلته، واجعلنا من عبادك الأخفياء الأتقياء.

المصدر: طريق الإسلام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *