المقدمة: جوهر الإيمان وسكينة النفس
إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستهديه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. أما بعد؛ فإنَّ من أعظم النعم التي يمتنُّ الله بها على عبده المؤمن في هذه الحياة الدنيا، هي نعمة السكينة والرضا بما قسمه الله. إنَّ الحياة في طبيعتها دار ابتلاء واختبار، وليست دار قرار وجزاء، وهي تتأرجح بين السراء والضراء، وبين العطاء والمنع. وفي خضم هذه المتغيرات، يبرز الصبر والرضا كجناحين يحلق بهما المؤمن فوق آلام الحياة وصعابها، ليصل إلى شاطئ الأمان والراحة النفسية التي يفتقدها الكثيرون في عالمنا المعاصر.
مفهوم الصبر في ميزان الوحي
الصبر في اللغة هو الحبس والمنع، وفي الشرع هو حبس النفس على طاعة الله، وحبسها عن معصيته، وحبسها عن التسخط من أقدار الله المؤلمة. لقد جعل الله الصبر جوهر الأخلاق الإسلامية، وذكره في القرآن الكريم في أكثر من تسعين موضعاً، مما يدل على عظم شأنه. يقول الله تبارك وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 153].
هذه المعية الإلهية ليست مجرد كلمة، بل هي سندٌ غيبي وقوة روحية تمد المؤمن بالعزيمة حين تضيق به السبل. والصبر ليس استسلاماً للواقع أو ضعفاً، بل هو فعلٌ إيجابي يتطلب قوة داخلية هائلة للسيطرة على المشاعر وتوجيهها نحو الامتثال لأمر الله. وقد لخص النبي صلى الله عليه وسلم فضل الصبر في قوله: (وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ) [رواه البخاري ومسلم].
منزلة الرضا: أرقى مراتب اليقين
إذا كان الصبر واجباً على كل مؤمن، فإنَّ الرضا هو المرتبة الأرقى والمنزلة الأعلى. الرضا هو سكون القلب تحت مجاري الأحكام، وهو أن يستوي عند العبد المنع والعطاء لعلمه بيقين أنَّ التدبير بيد الله وحده. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَن رَضِيَ باللَّهِ رَبًّا، وَبالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولًا) [رواه مسلم].
الرضا يورث في القلب طمأنينة لا تزعزعها الرياح، لأنه ينبع من معرفة الله بأسمائه وصفاته. فالمؤمن يعلم أنَّ الله هو “الحكيم” الذي لا يفعل شيئاً عبثاً، وهو “الرحيم” الذي رحمته سبقت غضبه. ولذلك، فإنَّ الرضا بالقضاء والقدر هو الركن السادس من أركان الإيمان، وبدونه يظل العبد في تيه وقلق دائمين. يقول الله تعالى في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي)، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط.
الابتلاء: سنة إلهية وحكمة ربانية
قد يتساءل البعض: لماذا يبتلي الله عباده المؤمنين وهم يحبونه؟ والجواب يكمن في قوله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ ۗ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) [البقرة: 155]. الابتلاء هو تصفية للمؤمن، وتمحيص لإيمانه، ورفع لدرجاته. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أشدُّ الناسِ بلاءً الأنبياءُ، ثم الأمثلُ فالأمثلُ) [رواه الترمذي وصححه].
- الابتلاء بالضراء: ليمتحن الله صبر العبد ورجوعه إليه.
- الابتلاء بالسراء: ليمتحن الله شكر العبد وتواضعه.
- الابتلاء بالمحن: ليكون سبباً في تكفير السيئات، فما يصيب المسلم من نصب ولا وصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه.
كيف نربي أنفسنا على الصبر والرضا؟
إنَّ الوصول إلى مرتبة الصبر والرضا يحتاج إلى مجاهدة للنفس وتربية مستمرة. إليكم بعض الخطوات العملية التي تعين المؤمن على ذلك:
أولاً: العلم بالله واليقين بحكمته: كلما زاد علم العبد بربه، زاد ثباته عند الأزمات. فعندما تدرك أنَّ الذي قدر عليك هذا الأمر هو أرحم بك من أمك، سيهون عليك وقع البلاء.
ثانياً: النظر إلى من هو أسفل منك: أرشدنا النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذه القاعدة الذهبية بقوله: (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألا تزدري نعمة الله عليكم) [متفق عليه]. هذا النظر يولد القناعة والرضا بما لديك.
ثالثاً: اليقين بالثواب الجزيل: عندما يستحضر المؤمن قوله تعالى: (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ) [الزمر: 10]، تتلاشى آلامه أمام عظمة هذا الوعد الرباني.
رابعاً: الدعاء واللجوء إلى الله: فالله هو مقلب القلوب، وبيده مفاتيح الفرج. كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الرِّضَا بَعْدَ الْقَضَاءِ).
أثر الصبر والرضا على الصحة النفسية والمجتمعية
من منظور نفسي وحديث، أثبتت الدراسات أنَّ الأشخاص الذين يتمتعون بروحانية عالية وإيمان بالقدر هم الأقل عرضة للاكتئاب والقلق. الإسلام من خلال منظومة الصبر والرضا، يوفر للمؤمن “شبكة أمان” تمنعه من الانهيار أمام كوارث الحياة. فالرضا يعزز من إفراز هرمونات السعادة ويقلل من هرمونات التوتر، مما ينعكس إيجاباً على الصحة البدنية أيضاً.
أما اجتماعياً، فإنَّ مجتمع الصابرين هو مجتمع متماسك، يسود فيه التكافل والتراحم، حيث يعلم الغني أنَّ ماله ابتلاء، ويعلم الفقير أنَّ حاله اختبار، فيسعى الجميع لمرضاة الله، مما يقلل من الحقد والحسد والجرائم الناتجة عن عدم الرضا بالرزق.
الخاتمة: الفرج القريب ووعد الله الصادق
في ختام هذا المقال، نؤكد أنَّ الصبر والرضا ليسا مجرد كلمات تُقال، بل هي ثمرات لشجرة الإيمان العميقة في قلب المؤمن. تذكر دائماً أنَّ مع العسر يسراً، وأنَّ الله لا يحمل نفساً إلا وسعها. إنَّ غيوم المحن مهما تلبدت، فلا بد أن تنجلي عن شمس المنح، وإنَّ الصبر في بدايته قد يكون مراً، لكن عاقبته أحلى من العسل.
اجعل نصب عينيك دائماً قول الله تعالى: (فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا) [المعارج: 5]، والصبر الجميل هو الذي لا شكوى معه لغير الله. نسأل الله أن يملأ قلوبنا إيماناً، ونفوسنا رضاً، وأيامنا صبراً، وأن يجمعنا في مستقر رحمته مع الصابرين والشاكرين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

اترك تعليقاً