الصعقة الغضبية: مرافعة الإمام الطوفي عن لسان الوحي وحياض الشريعة
قبل أن يودع الدنيا بأشهر معدودات، خطَّ يراع الإمام العلامة نجم الدين الطوفي سفراً جليلاً وسمه بـ "الصعقة الغضبية في الرد على منكري العربية"؛ ليكون صرخة مدوية في وجه من راموا النيل من لسان العرب، وفصم عراه عن العلوم الشرعية. إن غضبة الطوفي لم تكن انفعالاً عابراً، بل كانت انتصاراً لمقومات الأمة، ورداً حازماً على نزعات "الشعوبية" التي سعت لبث الفرقة وتشويه معالم الحضارة الإسلامية عبر الطعن في وعائها اللغوي.
الشعوبية: مكرٌ يستهدف التكوين الفكري والعقدي
رأى الإمام الطوفي أن خطر الشعوبية لم يقف عند حدود العداء العرقي، بل تجاوز ذلك إلى محاولات منظمة لزعزعة التكوين الديني والخلقي للمجتمع المسلم. لقد عمد هؤلاء إلى توظيف نصوص الكتاب والسنة توظيفاً مغرضاً لإثارة الشبهات، والتشكيك في أصول الشريعة، متخذين من اللحن في الكلام وتسرب العجمة إلى التخاطب اليومي وسيلة لهز وظيفة اللغة العربية كمدخل وحيد لفهم مراد الله عز وجل.
لسان العرب: أصلٌ من أصول الدين ومعتمد الشريعة
ارتكزت حجة نجم الدين الطوفي في دفاعه المستميت على حقيقة كبرى، وهي أن علم العربية ليس مجرد ترف أدبي، بل هو أصل من أصول الدين ومعتمد من معتمدات الشريعة. وفي هذا السياق، قدم الطوفي درساً تطبيقياً مذهلاً يربط فيه المسائل الشرعية بالقواعد النحوية، مؤكداً أن المساس بالعربية هو استهداف للدين في كليته، حيث قال:
"الفقيه الطاعن على علم العربية، يكون إما طاعنا في شرط علمه ومادة فقهه، وإما أن يكون غير عالم بنفسه أنه فقيه. والأول سفه، والثاني جهل. وأيا ما كان فهو غم الصديق، وفرحة للحاسد."
أثر الإعراب في صون المعتقد وفهم الأحكام
أبان الطوفي في كتابه عن علو كعبه في المناظرة، مبرهناً كيف يسدد الإلمام باللغة فهمنا لأحكام الشريعة، وكيف يؤدي الجهل بها إلى التحريف والاضطراب. ومن شواهد ذلك:
- في القرآن الكريم: أوضح أن كسر الكاف في قوله سبحانه وتعالى: {إياك نعبد وإياك نستعين} (الفاتحة: 5) يبطل الصلاة؛ لأن الخطاب لله تعالى، والكسر يغير وجه النظم المقصود ويخالف سنن العربية.
- في السنة النبوية: تصدى لتحريف بعض الفرق لحديث احتجاج آدم وموسى عليهما السلام، الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "احتج آدم وموسى، فقال: يا آدم أنت أبونا، خيبتنا وأخرجتنا من الجنة، فقال آدم: أنت الذي اصطفاك الله بكلامه، وخط لك -يعني التوراة- بيده، تلومني على أمره قدره علي قبل أن يخلقني بأربعين سنة. فحج آدم موسى".
بين الطوفي أن الصواب هو رفع "آدم" فاعلاً ونصب "موسى" مفعولاً، أي غلبه بالحجة. وحذر من تأويل المخالفين الذين عكسوا الإعراب، مبيناً بطلان ذلك عقلاً ولغةً، ومستنداً إلى قوله تعالى: {إني جاعل في الأرض خليفة} (البقرة: 30) كدليل على سابق علم الله عز وجل.
العربية وفصل الخطاب في المسائل الخلافية
تناول الطوفي بذكاء لغوي مسائل شائكة مثل مسألة "فدك والعوالي"، مبيناً أن الخلاف فيها نشأ من إعراب قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ما تركنا صدقة".
- الوجه الأول: حمل "ما" على النفي، وهو ما قد يوهم خلاف المقصود.
- الوجه الثاني (وهو اختيار الطوفي): حمل "ما" على أنها موصولة بمعنى "الذي"، فيكون المعنى: "الذي تركناه صدقة"، وهو حذف سائغ كما في قوله عز وجل: {وما عملت أيديهم} (يس: 35).
كما ناقش مسألة مسح الرأس في الوضوء عند قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم إلى الكعبين} (المائدة: 6)، حيث رد على من قال إن "الباء" للتبعيض، مؤكداً أن هذا تحكم في اللغة بلا دليل يرجحه.
سيرة عطرة وعلمٌ غزير
ولد الإمام سليمان بن عبد القوي الطوفي سنة 675هـ بقرية طوف، ونهل من علوم دمشق على يد شيخ الإسلام ابن تيمية والحافظ المزي. كان حنبلي المذهب، موسوعي الثقافة، صبوراً على المحن التي واجهته في القاهرة. ترك للمكتبة الإسلامية ذخائر نفيسة منها:
- شرح مختصر الروضة في أصول الفقه.
- الإشارات الإلهية في المباحث الأصولية.
- التعيين في شرح الأربعين.
خاتمة: لسانٌ قويم لشرعٍ مستقيم
لقد كانت غضبة الطوفي غضبةً لله ولرسوله ولبيانه، فلم يقف عند حدود العاطفة، بل جعل من النحو والتركيب أدواتٍ للنظر الفقهي الرصين. إن استيعاب نصوص الوحي يظل رهيناً بالتمكن من لغة الضاد، وكما قال ابن جني قديماً: "إن أكثر من ضل من أهل الشريعة عن القصد فيها، وحاد عن الطريقة المثلى إليها، فإنما استهواه واستخف حلمه ضعفه في هذه اللغة الكريمة الشريفة التي خوطب الكافة بها".
اللهم فقهنا في ديننا، وأصلح ألسنتنا، واجعلنا من حماة لغة كتابك الكريم، والذابين عن حياض سنتك المطهرة.



اترك تعليقاً