العرب الأمريكيون في مينيابوليس: بين مطرقة ملاحقات الهجرة وسندان البحث عن الأمان

العرب الأمريكيون في مينيابوليس: بين مطرقة ملاحقات الهجرة وسندان البحث عن الأمان

تبدل ملامح الحياة في مينيابوليس

في مدينة مينيابوليس بولاية مينيسوتا، لم يعد الخروج من المنزل مجرد روتين يومي عابر، بل تحول إلى قرار محفوف بالحذر والحسابات الدقيقة. بالنسبة لآلاف العرب الأمريكيين، تغيرت إيقاعات المدينة التي ألفوها لسنوات؛ فالهوية الشخصية باتت رفيقاً دائماً لا يفارق الجيب، والطرقات التي كانت تعج بالحياة أصبحت تُسلك بحذر شديد وسط حالة من الترقب والقلق التي تخيم على الأحياء ذات الغالبية المهاجرة.

تصاعد نشاط “أيس” والجدل حول سيادة القانون

يعزو السكان هذا التحول الجذري إلى الحضور المكثف والعلني لعناصر إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، المعروفة اختصاراً بـ “أيس” (ICE). هذه الوكالة الفيدرالية، التي تأسست عام 2003 في أعقاب هجمات سبتمبر، كثفت عملياتها الميدانية في مينيابوليس ومحيطها خلال الأشهر الماضية. ورغم تأكيدات الإدارة الأمريكية الحالية بأن هذه العمليات تندرج ضمن سياسة فرض “سيادة القانون” واستهداف المخالفين أو ذوي السجلات الجنائية، إلا أن المشهد على الأرض يروي قصة مختلفة تماماً.

السيارات المجهولة التي لا تحمل شعارات رسمية، والعناصر المسلحة التي تداهم الأحياء، وضعت مينيابوليس في قلب صراع سياسي وقانوني محتدم، مما أضعف إحساس السكان بالأمان وحوّل المدينة التي كانت يوماً ملاذاً آمناً للاجئين والمهاجرين من الشرق الأوسط والقرن الأفريقي إلى ساحة توتر بين الحكومة الفيدرالية والمجتمع المحلي.

ذاكرة الخوف: من دمشق إلى مينيسوتا

بالنسبة لأسماء خليل، التي وصلت إلى مينيسوتا قادمة من دمشق عام 2011، فإن ما يحدث اليوم يعيد إيقاظ كوابيس قديمة ظنت أنها تركتها وراءها. تقول أسماء بحرقة: “لقد غادرت سوريا هرباً من الملاحقات الأمنية والاعتقالات، جئت إلى هنا لأربي أطفالي في بيئة يسودها القانون والحرية، لكنني اليوم أشعر بذات القلق الذي كنت أعيشه هناك”. هذا الشعور بالتوجس بات جزءاً لا يتجزأ من حياة أسماء، التي ترى أن الخوف لم يعد عابراً، بل أصبح واقعاً يفرض نفسه على تفاصيل يومياتها ويؤلمها أن يختبر أطفالها هذا الإحساس في وطنهم الجديد.

ما وراء أوراق الإقامة: الجميع تحت المجهر

تؤكد كاثرين حداد، مديرة المسرح العربي الأمريكي في المدينة، أن دائرة الخوف اتسعت لتشمل الجميع، ولا تقتصر فقط على من لا يملكون أوراقاً قانونية. توضح كاثرين أن مواطنين أمريكيين وحملة بطاقات إقامة دائمة باتوا يخشون الملاحقة أو التوقيف العشوائي. “نتحدث عن عناصر مسلحة وتوقيفات تفتقر للشفافية”، تقول كاثرين، مشيرة إلى أن الناس باتوا يحملون وثائقهم الرسمية في كل مكان، ليس إيماناً بأنها ستحميهم، بل كدرع هش ضد واقع يزداد تعقيداً.

احتجاجات غاضبة وضريبة دموية

لم يقف المجتمع المحلي مكتوف الأيدي أمام هذه التطورات؛ فقد شهدت مينيابوليس موجة من الاحتجاجات العارمة التي طالبت بوقف المداهمات الفيدرالية. إلا أن هذه التحركات السلمية في جوهرها لم تخلُ من مآسٍ، حيث قُتل متظاهران في حادثتين منفصلتين مرتبطتين بالمظاهرات، مما زاد من حدة الغضب والشرخ الاجتماعي، وترك أثراً نفسياً ثقيلاً على المشاركين الذين باتوا يخشون حتى التعبير عن احتجاجهم.

تحديات الهوية والضغوط الاقتصادية

هند المنصور ورغدة سكيك، تمثلان صوتاً آخر للمعاناة؛ حيث تشعر هند بأن التمييز بات يُمارس على أساس لون البشرة، وهو ما أعاد إليها ذكريات القيود الاجتماعية التي عاشتها في عقود سابقة. أما رغدة، فتتركز مخاوفها على بناتها المحجبات واستهداف المساجد، مما جعل العائلة تتجنب ارتياد أماكن معينة خشية التعرض للمضايقات.

وعلى الصعيد الاقتصادي، يواجه أصحاب الأعمال العرب تحديات غير مسبوقة. سائد أبو كرم، صاحب مطعم فلسطيني، يشير إلى تراجع نشاطه التجاري بنسبة 30% بسبب عزوف الزبائن عن الخروج. يصف سائد نظام “الصافرات” الذي استحدثه أصحاب المحال في الحي للتحذير من وجود عناصر الهجرة، في محاولة يائسة لحماية مجتمعهم. بالنسبة لسائد، الذي أمضى ثلاثة عقود في مينيسوتا، بات سؤال “الرحيل” الذي كان مستحيلاً في السابق، يطرح نفسه بقوة وألم.

التضامن كآلية للمقاومة

رغم قتامة المشهد، تبرز في مينيابوليس ملامح تضامن إنساني لافتة. من دعم المتاجر المتضررة إلى تنظيم فعاليات ثقافية عبر الإنترنت للحفاظ على الروابط الاجتماعية، يحاول العرب الأمريكيون الصمود. تظل الآمال معلقة على ألا يتحول هذا الخوف إلى حالة دائمة، وألا تُجبر الجالية على هجر المكان الذي اختارته ليكون وطناً نهائياً لها.

المصدر: BBC Arabic

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *