# العفة في الإسلام: ميزان العدل الإلهي بين الرجل والمرأة
مقدمة: آفة التمييز في المجتمعات الشرقية
تُعاني مجتمعاتنا الشرقية في العصر الراهن من خللٍ تربويٍّ جسيم، يتمثل في ذلك التفريق الجنسي الصارخ والتفاوت غير المبرر بين الولد والبنت في منظومة الحقوق والواجبات. هذا التفاوت الذي لم يتأسس على تقوى من الله أو بصيرة من الشرع، بل نبع من تقاليد موروثة غلبت في كثير من الأحيان جوهر الدين وصفاءه. إن هذا التمييز لا يقتصر على الأمور المادية فحسب، بل يمتد ليشمل الجوانب الأخلاقية والتربوية، مما خلق فجوةً كبيرة في فهم طبيعة المسؤولية الفردية أمام الله عز وجل.
إن هذا المنهج في التربية يخالف كل المخالفة مقاصد الشريعة الإسلامية التي قامت على العدل والمساواة في أصل التكليف. فالله سبحانه وتعالى وضع ميزاناً دقيقاً للعلاقة بين الجنسين، ميزاناً لا يحيف على طرف لحساب الآخر، بل يحفظ لكل ذي حق حقه في إطار من المودة والرحمة والعدل المطلق.
الميزان القرآني للحقوق والواجبات
لقد حسم القرآن الكريم الجدل حول مسألة الحقوق المتبادلة في آية جامعة مانعة، حيث قال تعالى في محكم تنزيله: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ ﴿٢٢٨﴾} (البقرة:228). إن هذه الآية الكريمة تضع القاعدة الذهبية في التعامل بين الرجل والمرأة؛ فكما أن للرجل حقوقاً، فإن للمرأة حقوقاً موازية ومقابلة، وكما أن على المرأة واجبات، فإن على الرجل واجبات تليق بدوره ومكانته.
أما قوله تعالى {وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ}، فهي ليست درجة تشريف أو استعلاء أو إعفاء من الأخلاق، بل هي “درجة القوامة”. هذه القوامة التي أسيء فهمها في واقعنا المعاصر، فظنها البعض صكاً للتحكم أو ترخيصاً لتجاوز الحدود. والحقيقة أن هذه الدرجة جعل منها الشرع مزيداً من الحقوق للنساء وليس العكس؛ فهي قوامة رعاية، وحماية، وإنفاق، ومسؤولية كاملة أمام الله عن توفير سبل العيش الكريم والأمان للمرأة. إنها تكليف لا تشريف، ومسؤولية تُسأل عنها الرقاب يوم القيامة.
قضية العفة: المسؤولية المشتركة
تتجلى الخطورة في التمييز المجتمعي حين نأتي إلى جزئية “العفة”. لقد تعارف الناس في بعض البيئات على أن العفة شأن نسوي خالص، وأن الرجل لا يعيبه شيء مهما اقترف من الذنوب أو تجاوز الحدود الأخلاقية. وهذا الفهم هو أبعد ما يكون عن روح الإسلام الحنيف. فالدين الإسلامي لم يفرق بين الرجل والمرأة في هذا الأمر قط، بل جعل التكليف بالعفة والحفاظ على الطهر واجباً عينياً على كل مسلم ومسلمة.
ومن أصدق الأدلة على هذا التساوي في المسؤولية الجنائية والأخلاقية، أن الإسلام قد جعل حد الزنا واحداً لكل من المرأة والرجل، دون أدنى تفرقة. فالعقوبة واحدة لأن الجرم واحد، والمسؤولية أمام الخالق جل وعلا لا تتجزأ بناءً على نوع الجنس.
ونحن هنا لا ننكر أن للمرأة دوراً محورياً ومسؤولية كبيرة في نشر العفة في المجتمع من خلال التزامها بحجابها وحيائها، ولكن هذا لا يمنع أبداً أن على الرجل مسؤولية مساوية لمسؤولية المرأة تماماً. فالرجل، ما دام عاقلاً مكلفاً، لا تُرفع عنه المسؤولية الأخلاقية بحال من الأحوال، ولا يُقبل منه عذر التذرع بالفتنة ما لم يكن قد أخذ بأسباب الوقاية التي أمره الله بها.
الرجل بين دور الحامي ودور الذئب
من المؤسف والمؤلم أن نرى في واقعنا صوراً يقلب فيها بعض الرجال موازين الفطرة. فبدلاً من أن يكون الرجل هو الحصن المنيع للمرأة، خاصة تلك التي تعيش بلا سند من رجل (كالأرملة أو اليتيمة أو المطلقة)، نجد البعض يقوم بدور “الذئب”. يحاصرها بضغوط الحياة، ويستغل حاجتها وضعفها، فبدلاً من تقديم العون والمساعدة على نوائب الدهر، يساومها على أغلى ما تملك؛ يساومها على عفتها وطهرها.
إن الشرع الحنيف لم يرفع الحرج عن الرجل حتى في أشد لحظات احتياجه الأنثوي، ولم يجعل من “الاحتياج” مبرراً للانفلات الأخلاقي. بل وضع له منهجاً وقائياً صارماً يبدأ من داخل النفس؛ فأمره أولاً بـ “غض البصر” ليكون حاجزاً بينه وبين الحرام، ثم وجهه إلى الحل الشرعي وهو الزواج، فإن لم يستطع، فعليه بالصيام. كما جاء في الحديث الصحيح الذي رواه عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: «”من استطاع منكم الباءة فليتزوج”» (صحيح النسائي رقم [3210]).
هذا التوجيه النبوي يقطع الطريق على كل من يحاول تبرير انحرافه بحجج واهية، فالعفة مطلوبة من الرجل كما هي مطلوبة من الأنثى، والجهاد ضد النفس والهوى هو الاختبار الحقيقي لرجولة المؤمن.
يوسف عليه السلام: أيقونة العفة والنزاهة
إذا أردنا أن نبحث عن أصدق برهان على عفة الرجل في أشد الظروف قسوة وإغراءً، فلن نجد أعظم من قصة نبي الله يوسف عليه السلام. لقد وُضع يوسف الصديق في اختبار تزلزل له الجبال؛ فكان شاباً أعزباً، غريباً، وفي قمة جماله وقوته. وأتته الفتنة في عقر دارها، حيث أغرته امرأة العزيز، وهي ذات المنصب والجمال، ووفرت له كل سبل الخطيئة، بل وغلّقت الأبواب بإحكام لضمان السرية.
ومع كل هذه المغريات، أبى يوسف عليه السلام بكل كيانه الوقوع في الزلل الفاحش. لقد قدم درساً للبشرية جمعاء حين استعصم بالله، وفضّل غياهب السجن بكل ما فيه من وحشة ومعاناة وحرمان، على أن يتردى في مستنقع الرذيلة القذر.
ولم تقف عظمة يوسف عليه السلام عند هذا الحد، بل تجلت في لحظة الخروج من السجن. فبعد أن ذاق مرارة السجن لسنوات، وبعد أن عانى من سلب الحرية بكل معانيها، جاءه الفرج. ولكن يوسف الصديق رفض الخروج لمجرد نيل الحرية الجسدية؛ لقد رفض الخروج قبل توثيق براءته من الوقوع في الفاحشة. لم يكن يبالي بأن تطول مدة مكثه في السجن في مقابل الحصول على “صك البراءة” وإثبات العفة أمام المجتمع.
لقد رفض يوسف عليه السلام أن يكون وزيراً للملك أو يتبوأ مكانة رفيعة في الدولة إلا بعد أن يعترف الجميع بطهره، وتنكشف الحقيقة عياناً بياناً، وهو ما ورد في قوله تعالى: {“قَالَ ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ ﴿٥٠﴾”} (سورة يوسف:50). إن هذا الإصرار على البراءة يثبت أن عفة الرجل هي رأس ماله وكرامته التي لا يمكن التنازل عنها تحت أي إغراء أو ضغط.
الحياء في الرجل: طموح كل امرأة صالحة
إن الحديث عن عفة الرجل وحيائه ليس مجرد تنظير ديني أو قصص تاريخية تُحكى عن الأنبياء والصلحاء فحسب، بل هو واقع معاش وتجربة إنسانية تتوق إليها كل نفس سوية. فالحياء في الرجل هو زينة الرجال، وهو الدليل الأكبر على نبل أخلاقه وصفاء سريرته.
ومن وحي التجربة الشخصية، أقول إن الدافع الأول والأساسي للموافقة على الارتباط بزوجي، وبحماس شديد وبلا أدنى تردد، كان هو ما لمسته فيه من شدة الحياء، وخاصة في تعامله مع النساء. لقد كان معروفاً بين الجميع بوقاره، وغض بصره، وترفعه عن الصغائر، وهذا الحياء هو الذي أعطاني الطمأنينة واليقين بأني سأعيش في كنف رجل يتقي الله فيّ وفي نفسه.
إن هذا الطموح لا يخرج عن طموح كل امرأة ترجو في حياتها الاستقرار والطهر والعفة. فالمجتمع الذي يحترم عفة الرجل كما يحترم عفة المرأة هو مجتمع آمن، تسوده الثقة، وتُبنى فيه الأسر على أسس متينة من التقوى والحياء المتبادل.
خاتمة: نحو رؤية تربوية سوية
ختاماً، يجب علينا أن نعيد النظر في مناهجنا التربوية وفي نظرة مجتمعاتنا للرجل والمرأة. إن العفة ليست ثوباً تلبسه المرأة وتنزعه عن الرجل، بل هي خلق إسلامي رفيع يشترك فيه الجنسان. إننا بحاجة إلى تربية أبنائنا على أن “الرجولة” الحقيقية تكمن في ضبط النفس، وفي الاقتداء بنبي الله يوسف عليه السلام، وفي إدراك أن ميزان الله لا يحابي أحداً.
ليكن شعارنا في بيوتنا أن الطهر مسؤولية الجميع، وأن الحياء شعبة من الإيمان تلزم الرجل كما تلزم المرأة، لكي نصل بمجتمعاتنا إلى بر الأمان، ونحقق الاستقرار الأسري الذي ينشده كل مسلم ومسلمة تحت ظلال شريعة الله العادلة.

اترك تعليقاً