الغرافين يتحدى القوانين الأساسية للفيزياء: اكتشاف «مائع ديراك» فائق السيولة

الغرافين يتحدى القوانين الأساسية للفيزياء: اكتشاف «مائع ديراك» فائق السيولة

مقدمة: عندما تسلك الإلكترونات مسلك السوائل

على مدار عقود، انشغل علماء الفيزياء بسؤال جوهري: هل يمكن للإلكترونات أن تتدفق كعنصر واحد متجانس، تماماً مثل سائل مثالي خاضع لقوانين الكم العالمية، ودون أي احتكاك؟ في المواد التقليدية، غالباً ما تتعرض هذه الرؤية للإحباط؛ إذ تؤدي العيوب الذرية والشوائب إلى تشتيت الإلكترونات، مما يجعل رصد السلوك المائع «الهيدروديناميكي» للإلكترونات أمراً يقترب من المستحيل. إلا أن بحثاً جديداً نُشر في دورية Nature Physics قد قلب الموازين، حيث نجح فريق بحثي من معهد العلوم الهندي (IISc) بالتعاون مع المعهد الوطني لعلوم المواد في اليابان، في رصد هذا السائل الكمي المراوغ داخل مادة الغرافين.

الاكتشاف المذهل: كسر قانون «ويدمان-فرانز»

بدأ الباحثون عملهم بتطوير عينات فائقة النقاء من مادة الغرافين — وهي طبقة واحدة من ذرات الكربون مرتبة في شبكة سداسية — تلا ذلك قياس دقيق لكيفية توصيل هذه العينات للكهرباء والحرارة. هنا ظهرت المفاجأة التي صدمت الفريق: بدلاً من أن تزداد الموصليتان الكهربائية والحرارية معاً بشكل طردي، تحركتا في اتجاهين متعاكسين؛ فبينما ارتفعت الموصلية الكهربائية، انخفضت الحرارية، والعكس صحيح.

هذه النتيجة تمثل تحدياً مباشراً لـ قانون ويدمان-فرانز (Wiedemann-Franz Law)، وهو مبدأ فيزيائي راسخ ينص على أن النسبة بين الموصلية الحرارية والموصلية الكهربائية في المعادن يجب أن تكون ثابتة وتتناسب مع درجة الحرارة. وقد رصد الباحثون انحرافاً عن هذا القانون تجاوز 200 ضعف عند درجات الحرارة المنخفضة، مما يشير إلى انفصال جذري بين كيفية نقل الشحنة وكيفية نقل الحرارة داخل المادة.

الأهمية العلمية: «مائع ديراك» وتجليات المادة الغريبة

يحدث هذا الانحراف الدراماتيكي عند نقطة محددة تُعرف بـ «نقطة ديراك» (Dirac Point)، وهي الحالة التي يقع فيها الغرافين على الحدود الفاصلة بين كونه معدناً وعازلاً. عند هذه النقطة، تتوقف الإلكترونات عن التصرف كجسيمات فردية مستقلة، وتبدأ في التحرك بشكل جماعي، متدفقة مثل سائل فائق السيولة بمقاومة تكاد تنعدم.

يطلق العلماء على هذه الحالة اسم «مائع ديراك» (Dirac Fluid). ويوضح الباحثون أن هذا المائع يحاكي في خصائصه «بلازما الكوارك-غلوون»، وهي الحالة البدائية للمادة التي وُجدت عقب الانفجار العظيم والتي يتم رصدها في مصادمات الجسيمات العملاقة مثل (CERN). وقد أظهرت القياسات أن لزوجة هذا المائع منخفضة للغاية، مما يجعله أحد أقرب النماذج لـ «السائل المثالي» التي تم رصدها على الإطلاق في المختبر.

آفاق مستقبلية: من الثقوب السوداء إلى تكنولوجيا الكم

تفتح هذه النتائج نافذة جديدة لاستكشاف الفيزياء القصوى بأدوات مخبرية ميسورة التكلفة. بفضل مائع ديراك في الغرافين، بات بإمكان العلماء دراسة ظواهر مرتبطة بالفيزياء عالية الطاقة والفيزياء الفلكية، مثل ديناميكا الحرارة للثقوب السوداء وتوسع إنتروبيا التشابك الكمي، دون الحاجة إلى رصد المجرات البعيدة أو استخدام مسرعات الجسيمات الضخمة.

أما على الصعيد التطبيقي، فإن هذا الاكتشاف يمهد الطريق لتطوير مستشعرات كمية فائقة الحساسية. هذه الأجهزة قد تكون قادرة على تضخيم الإشارات الكهربائية الضعيفة للغاية ورصد المجالات المغناطيسية الباهتة بدقة غير مسبوقة، مما يفتح آفاقاً جديدة في تكنولوجيا القياس والتحكم الكمي، ويؤكد مجدداً أن الغرافين، رغم مرور عقدين على اكتشافه، لا يزال يخفي في طياته أسراراً قادرة على إعادة صياغة فهمنا للكون.


المصدر العلمي: ScienceDaily

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *