# الغفلة القاتلة: كيف تستعد لرمضان بقلب حي في شهر شعبان؟
مقدمة: عابر سبيل فوق قلوب غافلة
دخلنا شهر شعبان، هذا الموسم الإيماني العظيم الذي يغفل عنه كثير من الناس بين رجب ورمضان، لكننا لم ندخله كضيفٍ عزيز نُحسن وفادته ونترقب بركاته، بل مرّ علينا كعابرِ سبيلٍ اجتاز دروب قلوبنا دون أن يترك أثراً، أو يوقظ نائماً، أو يُصلح مكسوراً. تمر الأيام تلو الأيام، وتتسارع الساعات نحو شهر القرآن، وبقينا نحن كما نحن: غارقون في السطحية، مقيدون بالعادة، مكبلون بذات الفتور القديم الذي أكل من أعمارنا ما أكل.
إننا لم نزدد قرباً من الله رغم اقتراب الميقات، ولم نَخف بصدق من فوات الأوان، ولم نبالغ في الاكتراث بتلك النفحات الربانية التي تهبُّ علينا. وكأن القلب، في لحظة ضعف وشرود، قد وقّع عقد غفلة طويلة الأمد، عقدٌ يمنحنا شعوراً كاذباً بالأمان، ويجعلنا نؤجل التوبة والإنابة إلى أجل غير مسمى.
حقيقة الغفلة: العقد الخفي الذي يبتلع القلوب
ليس الألم الحقيقي الذي يجب أن نبكي عليه هو مجرد قلة العبادات أو نقص النوافل، فرغم عظم هذا النقص، إلا أن الداء الأعمق يكمن في ذلك الفتور الظاهر الذي استوطن الأرواح. الألم الحقيقي هو ذلك الانغماس الخفي في الدنيا، الذي يبتلع القلب تدريجياً دون أن نشعر، حتى نجد أنفسنا نعيش وكأن الحياة مأمونة العواقب، وكأن الموت مجرد إشاعة بعيدة تخص الآخرين ولا تقترب منا، مع أننا نعرف يقيناً في قرارة أنفسنا أنه أقرب إلينا من أنفاسنا التي تتردد في صدورنا.
هنا تبرز المفارقة المؤلمة التي نعيشها يومياً: نحن نعرف… ولكننا لا نعمل. نحن ندرك الحقيقة… ولكننا لا نستعد لها. إنها حالة من الغفلة المقرونة بالعلم، وتأجيل العمل مع وجود اليقين بالرحيل. إن هذا الانفصام بين ما يعتقده العقل وما يمارسه القلب هو الجرح النازف في مسيرتنا إلى الله.
فلسفة العناء والراحة: النعيم لا يُدرك بالنعيم
إننا نُتعب أنفسنا في هذه الدنيا الفانية، نركض خلف سرابها، ونبذل قصارى جهدنا لتأمين معاشنا، وننسى في غمرة هذا الزحام أننا إنما نتعب هنا لنستريح هناك، في دار القرار. لقد غابت عن أذهاننا معادلة النجاة الواضحة، رغم ثقلها على النفس البشرية التواقة للراحة؛ وهي أن النجاة تتطلب التخلي عن بعض لذات الدنيا الفانية، لننال لذة باقية لا تزول.
لقد قرر السلف الصالح قديماً قاعدة ذهبية تقول: “النعيم لا يُدرك بالنعيم”. فالطريق إلى الراحة الأبدية يمرُّ حتماً عبر قنطرة المجاهدة الصادقة، ومخالفة الهوى، وفطام النفس عن شهواتها التي تحجبها عن نور الحق. لا يمكن لقلبٍ غارقٍ في الترف، مستسلمٍ للغفلة، أن يتذوق حلاوة القرب أو يشعر بلذة المناجاة في جوف الليل.
المفارقة الكبرى: علمٌ بلا أثر
إن حالنا اليوم يثير العجب؛ فنحن نعلم يقيناً أننا ملاقو الله عز وجل، ومع ذلك لا نُهيئ لهذا اللقاء العظيم ما يليق به. نعلم فضل الذكر وكيف أنه يحيي القلوب ويطرد الشيطان، ومع ذلك لا نقترب من حياضه إلا قليلاً. نعلم يقيناً أننا سنتحسّر في الآخرة على كل وقتٍ ضاع في غير طاعة، وعلى كل صلاة حضر فيها الجسد وغاب فيها القلب في أودية الدنيا… ومع ذلك نمضي في طريقنا دون التفات.
الحقيقة المرة هي أننا لا نجهل، بل نحن “محجوبون”. حجبتنا الذنوب، وحجبتنا العادات، وحجبنا الركون إلى الدنيا. لقد تغير كل شيء من حولنا؛ فصارت المعاصي من كثرة مخالطتها اعتياداً، والزلات التي كانت تؤرق المضاجع أصبحت عادة يومية. الكلمات تنفلت من أفواهنا محملة بالغيبة، واللغو، وما لا يرضي الله، دون أن نلقي لها بالاً، حتى تسرب الشرك الأصغر -من رياء وسمعة- إلى أقوالنا وأفعالنا ونحن في غمرة غفلتنا ساهون.
حين تصبح العبادات طقوساً بلا روح
لقد وصلنا إلى مرحلة خطيرة من التبلد الإيماني؛ يؤذن المؤذن فلا ترتجف القلوب، ونذكر الله بألسنتنا ولا تفقه عقولنا معنى ما نقول. نصلي ركعاتنا ونحن نفكر في شؤون حياتنا، ونتوضأ بماء بارد وأرواحنا شاردة في عالم الماديات. لقد نسينا الجوهر الواحد والغاية الكبرى التي من أجلها وُجدنا على هذه الأرض: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}.
ثم بعد هذا كله، نتساءل بمرارة: لماذا نشكو ضيق الصدر؟ ولماذا نشعر بثقل الروح؟ ولماذا تبدو حياتنا فارغة رغم تكدس الماديات من حولنا؟ الجواب بسيط ومؤلم في آن واحد: لقد ابتعدنا عن مصدر الحياة الحق، عن الله عز وجل. نشكو من العطش ونحن على ضفاف النهر، ونشكو من الظلمة والوحي بين أيدينا.
خطر التوبة المؤجلة والذنوب الخفية
إن أخطر ما نواجهه هو تلك التوبة المؤجلة. نحن نظن أن التوبة لا تكون إلا من ذنبٍ ظاهر نعرفه ونحدده، ونسينا أن أخطر الذنوب هي تلك التي نذنبها ولا نشعر بها؛ ذنوب القلب من كبر، وعجب، وحسد، وغفلة مستحكمة. قد نقوم بعبادة ما، فنظن أننا قد أمسكنا بزمام الأمور وضمنّا النجاة، ولا نعلم أن باب الطاعة قد يُفتح للعبد، ويُغلق دونه باب القبول؛ لأن تلك الطاعة قُدمت بلا قلب، وكانت مجرد بضاعة مزجاة قُدمت على عجل لإسقاط الواجب لا غير.
إن الإعجاب بالطاعة هو مفسدة لها، والاعتماد على العمل دون الافتقار إلى رحمة الله هو عين الخذلان. لذا كان لزاماً علينا أن نراجع ملفات قلوبنا في هذا الشهر المبارك، شهر شعبان، قبل أن يداهمنا رمضان ونحن على هذه الحال من التشتت والضياع.
شعبان: ميدان الإصلاح وبداية الحياة
ومع كل ما سبق من وصفٍ لحالنا، إلا أن باب الله لم يُغلق في وجوهنا بعد. الفرص لم تنفد، والله برحمته الواسعة لا يترك طالبه معلقاً ولا رادَّه خائباً. إن شهر شعبان ليس مجرد شهر عابر في تقويم العام، بل هو ميدان حقيقي للإصلاح، ومعسكر تدريبي مكثف للنفس البشرية.
رمضان ليس محطة مؤقتة نلبس فيها ثوب التقوى ثم نخلعه بعد العيد، بل يجب أن يكون بداية لحياة مختلفة تماماً مع الله؛ حياة لا تنتهي بالموت، بل تتقوى وتزداد به يقيناً وإشراقاً. إن الاستعداد لرمضان يبدأ الآن، في هذه اللحظة، بوقفة صدق مع النفس، وبقرار شجاع بكسر قيود الغفلة.
فرصة واحدة قد تُصلح كل شيء
قد لا يحتاج الأمر منك إلى الكثير من التعقيد؛ فركعة واحدة صادقة في ظلمات الليل، تخلو فيها بملك الملوك، قد تطفئ كل هذا الظلام الذي ران على قلبك. واستغفارٌ واحد ينبع من قلبٍ معتذر، منكسر، نادم، يعلم يقيناً أن كل شيء في هذه الدنيا بلا الله هو وحشة وضياع، كفيلٌ بأن يقلب الموازين.
تذكر دائماً أن الاستغفار ليس مجرد لفظ يجري على اللسان، بل هو طلبُ سترٍ وتجاوز، وهو غسلٌ حقيقي للقلب من أدرانه، وإعادة توجيه للروح نحو باريها. لقد أمهلك الله عمراً طويلاً، وسخر لك هذا البدن، ومنحك القوة والمأوى والوقت… حتى إنك لو أردت أن تقوم الليل كله لقدرت بفضل الله ومعونته. ومع ذلك، نبخل على أنفسنا بركعة، وما أبخل الإنسان على نفسه حين يحرمها من لذة القرب من الله!
خاتمة: نداء قبل فوات الأوان
يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر أقصر. إن أيام شعبان تتسرب من بين أيدينا كما يتسرب الرمل، فاجعل من بقية هذا الشهر انطلاقة جديدة. جاهد نفسك، وأرِ الله من قلبك خيراً، واستعد لرمضان استعداد المشتاق، لا استعداد المعتاد. اجعل شعارك في هذه الأيام: “وعجلتُ إليك ربي لترضى”، لعل الله يرى صدقك فيفتح لك أبواب فضله، ويخرجك من ضيق الغفلة إلى سعة اليقين.

اترك تعليقاً