تُعد مدينة القدس المحتلة متحفاً مفتوحاً يزخر بالكنوز المعمارية التي تحكي قصص الحضارات التي مرت عليها، ومن أبرز هذه المعالم التاريخية التي تقف شامخة في قلب البلدة القديمة هي "المدرسة الطشتمرية". تمثل هذه المدرسة نموذجاً فريداً للعمارة المملوكية التي دمجت بين الوظيفة التعليمية، الدينية، والجمالية في آن واحد.
موقع المدرسة وتاريخ التأسيس
تقع المدرسة الطشتمرية في موقع استراتيجي وحيوي عند ملتقى طريق "باب السلسلة" وطريق "حارة الشرف"، مما جعلها قديماً مركزاً للحركة العلمية والاجتماعية. يعود تاريخ إنشاء هذا المعلم إلى أواخر القرن الثامن الهجري، وتحديداً في عام 784 هـ (الموافق 1382م).
بنيت المدرسة بأمر من الأمير المملوكي سيف الدين طشتمر بن عبد الله العلائي، وهو ما يؤكده نقش تاريخي محفور بدقة على لوح من الرخام يزين الواجهة الشمالية للمبنى، حيث جاء فيه: "أمر بإنشاء هذا المكان المبارك المقر الأشرف السيفي طشتمر العلائي بتاريخ سنة 784 هـ".
المرافق والأقسام التاريخية
صُممت المدرسة لتكون منشأة متكاملة تخدم المجتمع المقدسي في ذلك الوقت، حيث كانت تضم:
- كُتّاباً للأطفال: خُصص لتحفيظ القرآن الكريم وتعليم مبادئ القراءة والكتابة.
- مدرسة دينية: لتدريس علوم الشريعة والفقه واللغة العربية.
- تربة (ضريح): دُفن فيها مؤسس المدرسة الأمير طشتمر، لتبقى ذكراه مرتبطة بهذا الصرح العلمي.
- مرافق عامة: شملت دكاكين ومحلات تجارية كانت تُستخدم أوقافاً لدعم استمرارية المدرسة مالياً.
المدرسة الطشتمرية اليوم: صمود رغم المتغيرات
مع مرور القرون، تغيرت الوظيفة الأساسية للمدرسة، لكنها ظلت شاهدة على الهوية العربية والإسلامية للقدس. وتتوزع استخداماتها الحالية كالتالي:
- السكن المقدسي: تحولت الطوابق العليا إلى وحدات سكنية تقطنها حالياً خمس عائلات مقدسية، مما يعكس تمسك الفلسطينيين بالبقاء داخل معالمهم التاريخية.
- العمل المؤسسي: يُستخدم الطابق الأرضي في الوقت الراهن مقراً لـ "مجلس الهيئة الإسلامية العليا"، وهي مؤسسة وطنية ودينية هامة في القدس.
- النشاط التجاري: لا تزال الدكاكين المطلة على طريق باب السلسلة قائمة، وهي التي يُعتقد أنها كانت جزءاً من ملحقات الكُتّاب القديم.
- الجانب الأثري: بقيت "التربة" أو الضريح على حالها، محافظة على طابعها المعماري الأصيل.
جولة بصرية في رحاب التاريخ
لمعرفة المزيد عن التفاصيل المعمارية الدقيقة والزخارف التي تزين هذا البناء، تأخذنا عدسة الإعلام في جولة ميدانية برفقة المرشد السياحي المقدسي بشار روبين أبو شمسية، الذي يستعرض من داخل أروقة المدرسة تاريخها العريق وأهمية الحفاظ عليها كإرث حضاري لا يقدّر بثمن.
تشكل المدرسة الطشتمرية اليوم جزءاً لا يتجزأ من ذاكرة القدس، فهي ليست مجرد حجارة مرصوفة، بل هي قصة صمود وهوية تتحدى محاولات التغيير والاندثار.


اترك تعليقاً